في التاسع من أكتوبر 2011، انطلقت مظاهرات من حي شبرا في القاهرة، باتجاه مبنى الإذاعة والتلفزيون «ماسبيرو»، ضمن فاعليات يوم «الغضب القبطي»، ردًا على هدم سكان من قرية «المريناب» بمحافظة أسوان كنيسة قالوا إنها «غير مرخصة»، بالإضافة إلى تصريحات لمحافظ أسوان أُعتبرها المسيحيون «مسيئة بحق الأقباط». وكذلك للمطالبة بسن قانون جديد لبناء دور العبادة.

محافظ أسوان قال «المسلمون في القرية غضبوا من تجاوز الأقباط في بناء ارتفاع كنيسة بقرية الماريناب، وقد تدخل مجموعة من المشايخ والمعنيين في هذا الأمر، واعترف الأقباط بهذا التجاوز، ووعدوا بإزالة الأمتار الزائدة، إلا أن التنفيذ تأخر كثيرا، وهو ما أغضب أحد الشيوخ الذي قام بتجميع الشباب عقب صلاة الجمعة لإزالة الارتفاع الزائد بانفسهم»، نافيا الاعتداء على الأقباط بخلاف الحقيقة.

طالب الأقباط محافظ أسوان بالاستقالة عقب هذا التصريح. ورأوا أنه «مبرر للإعتداء عليهم وحرق الكنيسة».

بداية ماذا حدث في قرية الماريناب؟

شهدت قرية «المريناب» التي تبعد حوالي ثمانية كيلو مترات عن مدينة «إدفو» شمال محافظة أسوان، توترات وأحداث عنف طائفي بدأت من صباح الجمعة 2 سبتمبر 2011، على خلفية رفض مسلمي القرية وجود كنيسة «مار جرجس» التي تقام بها الصلوات والشعائر الدينية بصورة منتظمة منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين، وذلك بعد إعادة بنائها.

وكانت الكنيسة عبارة عن منزل من الطوب اللبن مملوكا لمواطن يدعى يوسف معوض وتبرع به للكنيسة لإقامة الصلوات الدينية. وبمرور الوقت عينت الكنيسة كاهنا متفرغا للصلاة، وجرت مخاطبة الجهات الرسمية باسم الكنيسة الشهيد مار جرجس بالمريناب، كما عينت قوات أمن أسوان حراسة على الكنيسة أسوة بباقي كنائس الجمهورية.

ثم قدمت مطرانية أسوان التي تتبعها الكنيسة طلبا خلال عام 2009 لترميم مبني الكنيسة المتهالك لخطورته على حياة المصلين، وشكل مجلس مدينة ادفو لجنة للمعاينة أقرت بضرورة هدم المبني وإعادة بنائه مرة أخرى نظراً لأن ترميم المبني بصورته الحالية لن يكون مجديا، وهو ما أكدته لجنة هندسية شكلتها المحافظة وأوصت بإحلال المبني بالكامل.

وفيما بعد تم بناء قباب للكنيسة، وفي عصر 7 سبتمبر 2011،  تجمهر‏ ‏عدد ‏من‏ ‏مسلمي‏ ‏القرية‏ ‏‏ ‏للمطالبة‏ ‏بإزالة‏ ‏قباب‏ ‏الكنيسة‏، ‏‏واحتشد بعض ‏ ‏الأهالي‏ ‏‏أمام‏ ‏الطريق‏ ‏المؤدي‏ ‏للكنيسة‏. وفي صباح اليوم التالي أغلقوا ‏مداخل‏ ‏ومخارج‏ ‏القرية‏ ‏ومنع‏ ‏الأقباط‏ ‏من‏ ‏الخروج‏ ‏لأعمالهم‏ ‏أو‏ ‏الذهاب‏ ‏لأراضيهم‏ ‏الزراعية‏ مع فرض‏ ‏حالة‏ ‏من‏ ‏الحصار‏ ‏حول‏ ‏منازلهم‏ ‏و‏التهديد‏ات العنية‏ ‏بالانتقام‏ ‏وهدم‏ ‏الكنيسة‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏عدم‏ ‏إزالة‏ ‏القباب‏.‏

وعقدت جلسات صلح لإزالتها، ورغم ذلك، حرض أحد المشايخ أثناء خطبة الجمعة المسلمين على هدم الكنيسة بأنفسهم وإضرام النيران فيها وهو ما تم بالفعل ليشتعل غضب الأقباط ويطالبون بإقالة محافظ أسوان.

دعك من «عاش الهلال مع الصليب».. هذه علاقة مسلمي وأقباط مصر

عودة لماسبيرو

كان آلاف الأقباط أعلنوا اعتصامهم مساء الرابع من أكتوبر 2011، أمام مبنى ماسبيرو احتجاجاً على أحداث «الماريناب» والمطالبة بتقديم الجناة للمحاسبة.

وفي مساء 4 أكتوبر 2011، فضت قوات الشرطة العسكرية اعتصام الأقباط بالقوة، عقب قيام قوات من الأمن المركزي بضرب المتظاهرين وتعقبهم حتى ميدان التحرير، ثم انسحبت لتحل محلها قوات الشرطة العسكرية التي طالبت الأقباط بإنهاء اعتصامهم.

وعندما رفض المعتصمون ما طلب منهم، فضت اعتصامهم بالقوة وقامت بإطلاق أعيرة نارية أصابت 6 معتصمين، كما أظهرت لقطات مصورة على موقع اليوتيوب قيام جنود من الشرطة العسكرية بالضرب المبرح لأحد المتظاهرين وهو الشاب «رائف فهيم» الذي أعلن اتحاد شباب ماسبيرو عن تنظيم احتفالية لتكريمه في مطرانية شبرا الخيمة.

وفي الاحتفالية دعا القس فلوباتير جميل عضو الاتحاد وكاهن كنيسة العذراء، جموع الأقباط لتكريم الشاب بالمشاركة في أكبر مسيرة للأقباط تشهدها مصر «على حد قوله» يوم الأحد 9 أكتوبر، والذي عرف إعلامياً بـ«يوم الغضب القبطي»، حيث تظاهر آلاف الأقباط في مسيرات بـ6 محافظات مصرية، أهمها تلك التي ذهبت إلى مبنى ماسبيرو.

من هنا بدأ الأحد الأسود

توجهت المسيرة المكونة من حوالي 50 ألف قبطي بمشاركة مسلمين في مظاهرة سلمية، إلى مبنى ماسبيرو، ولدى مرور المسيرة بمنطقة كوبري السبتية في القاهرة في اتجاهها لماسبيرو، قام البعض برشقهم بالحجارة والزجاجات الفارغة في محاولة لتفريق التظاهرة، التي نجحت في الوصول إلى غايتها أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون.

وعندما وصلت، قامت قوات الجيش بعملية الفض التي راح ضحيتها 23 شخصا بينهم الشهيد مينا دانيال. و27 بحسب التقارير الرسمية و329 مصابا، جراء الدهس وإطلاق الرصاص الحي.

وأحرق المتظاهرون 4 سيارات للشرطة فيما مقتل 3 مجندين، ويشار إلى أن الجيش رفض الإفصاح عن عدد قتلاه في هذه الأحداث، ونفى أصلا وجودهم.

 

دور التلفزيون المصري التحريضي

أثناء الأحداث الدامية خرجت مذيعة التلفزيون المصري «رشا مجدي»، لتحرض على الأقباط المتواجدين في الشارع وادعت قيامهم بقتل 3 من جنود الجيش وإصابة 20.

وقالت أيضا «الجيش الذي يُضرب الآن هو الذي وقف بجوار الثورة ورفض أن تطلق رصاصة واحدة على أي من أبناء الشعب المصري، لنجدهم اليوم يطلقون الرصاص على أبناء الجيش».

وهو الفعل الذي استنكره العاملون بالتلفزيون فيما بعد. مثل المذيعين؛ محمود يوسف ودينا رسمي وتغريد الدسوقي.

على الجانب الآخر لم يؤكد التلفزيون وقوع قتلى في صفوف المتظاهرين، أو إذاعة لقطات للمدرعات وهي تدهسهم.

جنازة الضحايا

تمت جنازة الضحايا في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية وهي أكبر كنيسة في مصر ومقر البابا، وانتشرت وحدات من الجيش المصري حول الكاتدرائية بهدف حمايتها، علمًا أن أربعة ضحايا فقط تمّ تشييعهم في اليوم الأول لرفض الأهالي إخراج ذويهم من القتلى دون تشريح الجثث لمعرفة أسباب الحادث.

واعتبر الضحايا في عُرف الكنيسة «شهداء» وهي رتبة متفوقة على رتبة قديس وفق العقائد المسيحية، وقد بلغ عدد المشيعين أكثر من 100,000 مشيّع.

الإجراءات التي اتخذت

بعد المذبحة خرج عصام شرف ليدين الأحداث، ودعا إلى ضبط النفس وقال إن المستفيد الوحيد هم أعداء الثورة وأعداء الشعب المصري من مسلميه ومسيحييه، وهي محاولات لإشعال الفوضى والفتنة.

كما دعا لجنة العدالة الوطنية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء لاجتماع طارئ في 10 أكتوبر بهدف معالجة القضية بحضور ممثلي الأزهر والكنيسة، غير أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لم ترسل ممثلين عنها في الاجتماع. أيضا، فقد انعقد مجلس الوزراء المصري بكامل أعضاءه صباح 10 أكتوبر وبدأ الجلسة بدقيقة صمت حدادا على «شهداء ماسبيرو»، ومن جانبه طلب المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بتشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق حول الأحداث.

وقدمت النيابة العسكرية فيما بعد 3 مجندين باعتبارهم المتسببين في الأحداث، واصفة الحادث أنه قتل عن طريق الخطأ حتى قضت المحكمة العسكرية بسجن أحدهم ثلاث سنوات، والآخرين سنتين حبس لكل منهما. وتقدم الجنود الثلاثة، بطعن على الحكم، حتى قررت المحكمة إيقاف تنفيذ الحكم لحين الفصل في الطعن.

كما تم تحويل القضية فيما بعد بعد الإعتراضات إلى محكمة أمن الدولة العليا التي حفظت القضية في فبراير 2014 بعد عدم قدوم المجندين المتهمين. ولم تفتح مطلقا قضائيا ثانية. ولم ترد هيئة الدفاع في القضية تدويلها لعدم اتهامهم بمحاولة خلق صراع دولي بسبب القضية.

إلى ماذا وصلت لجنة تقصي الحقائق؟

«مجهولون مندسون أطلقوا النار على الجيش والمتظاهرين».. كانت تلك النتيجة التي توصلت إليها لجنة تقصي الحقائق، التي شكلها مجلس القومي لحقوق الإنسان بتكليف من مجلس الوزراء.

وقالت الدكتورة منى ذو الفقار، رئيس لجنة تقصي الحقائق في مؤتمر صحفي للإعلان عن تيجة اللجنة، إن عددا من الشهود أكدوا أن بداية اطلاق النار كانت من خلال عدد من المندسين المجهولين الذين اختلطوا بالمظاهرة بدراجات بخارية فى الاتجاه المعاكس لماسبيرو وأطلقوا النار على المتظاهرين وعلى قوات الشرطة العسكرية.

ذلك بالرغم من اعتراف التقرير ضمنيا بدهس مدرعتين تابعتين للجيش المتظاهرين، وأوردتها في سياق التقرير الذي أعلن وتم المرور عليها سريعا للوصول في النهاية إلى نتيجة مفادها «مجهولون مندسون أطلقوا النار على الطرفين الجيش والأقباط».

1
0
0
0
0
0
0

شارك المقال