للبورسعيديين تاريخ ناصع في النضال بدءا من العدوان الثلاثي مرورا بحرب 67 إلى اليوم، ومازالت تدرس في المدراس قصص البطولات التي خاضها الشعب البورسعيدي بشكل فردي أو جماعي، في المدينة الباسلة.

في هذا التقرير نرصد لكم بعض من القصص التي توضح لكم بطولات الشعب البورسعيدي.

انتزعوا عينيه ومازال صامدا

«شعب بورسعيد سعيد جدا بوجود القوات البريطانية فوق أرضه ومصر كلها بتكره عبد الناصر والقيادة المصرية».. جملة طلب جنود بريطانيون من الشاب محمد مهران المحار ب بالحرس الوطني البورسعيدي، أن يرددها عبر الإذاعة البريطانية عقب أسره أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وعندما رفض كان العقاب حرمانه من نعمة النظر طوال حياته باقتلاع عينيه من وجهه.

من يومها يجلس الفدائي محمد مهران عثمان، داخل المتحف الحربي بحي الشرق ببورسعيد، ليروي بطولته لرواد المتحف التي تناقلتها الأجيال وما زال يرددها حتى يومنا هذا.

الفدائي محمد مهران، كان قد تم تكليفه بالدفاع عن منطقة الجميل ومطار بورسعيد، ضمن الحرس الوطني، وأثناء إنزال مظلي للقوات الإنجليزية، في مطار الجميل، تم التعامل معهم بالبنادق والرشاشات، وأثناء التبادل أصيب برصاصة في رأسه وأغشي عليه وتم أسره، وفي محاولة لنزع الاعترافات منه تم اقتلاع عينيه دون جدوى.

«مهران» كان مؤمنا بقضية ولم يتخلى عنها حتى في أحلك اوقاته.

يقول الدكتور، أدهم الباري أستاذ التاريخ الحديث، ببنها، إن البورسعيديين ليسوا مختلفين عن المصريين، ولكن الظروف هي من تدفعهم لإثبات بطولاتهم فالعدوان بدأ عليهم وكان لزاما عليهم كوطنيين أن يدافعوا عن وطنهم وأن يمدوا يد العون للشرطة والقوات المسلحة.

وأضاف أن الطبيعة الزمنية كانت لها دور في هذا، فهم قاوموا في زمن كانت المقاومة فيه عمل بطولي، ولا يوجد غبار عليها، بعكس ما يحدث هذه الأيام الوضع منقسم إلى فرق وجماعات وكل فرقة أو جماعة له توجهاتها ووجهات نظرها التي تدافع عنها على الرغم من كونهم أبناء وطن واحد.

الوضع قديما كان عكس ذلك، كان الالتفاف حول الوطن هو الشاغل الوحيد للمصريين ضد المستعمر والمحتل.

وأشار إلى أن اثبات قدرتهم على المقاومة خلال تلك الفترة جعل هذا من صفاتهم، موضحا أن أبو العربي لم يأتي من فراغ على الرغم من كونه شخصية غير حقيقية إلى أنها جسدت طبيعة هؤلاء.

من هو أبو العربي؟

«أبو العربي»، رمزا وليس اسما، يعود لزمن الاحتلال الانجليزي، ففى البداية كانت بورسعيد مقسمة إلى حيين «الحى الأفرنجي» وكان يسكنه الأوربيون فقط ولا يدخله أي مصري أو عربي إلا للعمل والخدمة لدى الغرب، والثاني «حى العرب» وسمي العرب لكثرة العائلات العربية القادمة من سوريا وفلسطين والشام بصفة عامة والتي كانت تسكنه جنبا إلى جنب مع عائلات الصعيد التي ساهمت في حفر قناة السويس، بالإضافة إلى البمبوطية «السكان الأصليين للمدينة».

وكانت عمليات المقاومة الشعبية تنطلق من حي العرب باتجاه الحي الأفرنجي الذي يسكنه الأجانب. ومن هنا جاءت كلمة «أبو العربي» مرتبطة بحس المقاومة نسبة لأهالي الحي العربي ضد قوات الاحتلال.

بطولة فردية لأم الفقير

«أم الفقير» مثالا آخرا على نبالة البورسعيديين. «أم الفقير» هي سيدة بورسعيدية قضت على جندي بريطاني نزل بمظلته أثناء العدوان الثلاثي على مصر، في بلكونة بيتها بحي المناخ، مستخدمة وعاء نحاسي.

كان يطلق على السيدة «أم الفقير»، لأنها عاشت فقيرة وماتت فقيرة، ورفضت مساعدات من مسؤولين مصريين. واحتفت الصحف بتلك السيدة حينها واعتبرت رمزا للبطولة والتضحية في بورسعيد.

لكن لماذا هم هكذا؟

الدكتور جمال فرويز الدكتور النفسي، يقول إن البورسعيديين لديهم سرعة اتصال عالية مع مجتمعهم، وينهضون دوما للدفاع عنه إذا ما أصابه شيئا، وهذا راجع لتلك السرعة في الاتصال مع المجتمع والبلد، وراجع إلى عوامل التربية والبيئة المحيطة بهم.

وأضاف فرويز لـ«شبابيك»، ان الولاء والانتماء لديهم عالي لبورسعيد اولا ثم لمصر ثانيا، فانتفاضهم كان انتفاض ضد من يريد أن يعتدي عليهم ثم انتفاض ضد من يريد الاقتناص من مصر.

وأشار إلى أن أقرب مواطني المحافظات لشخصيتهم وطبيعتهم هم الإسكندرانية.

وأشار أيضا إلى أن الخبرات الحياتية التي مروا بها ساهمت في تجسد تلك النقطة لديهم وترسيخها، لذلك انتفضوا عدد من المرات بعد تلك المقاومات الباسلة ضد من يريد النيل من ناديهم على سبيل المثال أو من محافظتهم أو ممن يسئ إليهم.

التعاون مع الجيش والشرطة والحروب السرية

المقاومة الشعبية اشترك فيها شعب بورسعيد بالتعاون مع القوات المسلحة التي كانت في بورسعيد في الفترة من 29 أكتوبر حتى 6 نوفمبر 1956 بعد أن احتلت القوات الغازية مدينة بورسعيد تماما.

وكذلك كانت المقاومة السرية لها دورا كبير في ردع العدوان على المدينة الباسلة، ويفيض التاريخ بقصص البطولات الفردية والجماعية للبورسعيديين أبرزها:

حرب المنشورات السرية ببورسعيد

قامت بها حركة بورسعيدية أطلقت على نفسها اسم «هاتاشاما»، كانت توزع المنشورات التحريضية ضد العدوان الإنجلوفرنسي، على بورسعيد وتدعو للمقاومة المسلحة، والمقاومة السلبية التي تعني عدم التعاون مع العدوان.

أسس هذه الحركة، البطل أمين محمد العصفوري، وهو من رموز العمل الوطني ببورسعيد، وكانت مكونة من 5 أفراد، وتواصلت رأيضا مع منظمة "يوكا" القبرصية، المطالبين باستقلال قبرص عن انجلترا، وردا عليهم قامت القوات الإنجيليزة بمهاجمة المطابع التي يطبعون بها المنشورات والتابعة لأعضاء من الحركة ببورسعيد.

الحركة كانت مسؤولة عن رفع الروح المعنوية للفدائيين وتضليل الاحتلال، ولاقت نجاحا كبيرا.

اليوزباشي مصطفي كمال الصياد

ضابط شرطة بورسعيدي كان يتعاون بصفة مباشرة مع ضباط المخابرات، كون مجموعات مسلحة من أبناء بورسعيد وقاد عمليات مهاجمة القوات البريطانية في الشوارع والطرق والمعسكرات ليلا بأسلوب الضرب المفاجئ والانسحاب السريع.

كان الملازم شرطة محمد سامي خضير وهو من أهل بورسعيد وكان يعمل في أحد أقسام الشرطة "محافظ بورسعيد الأسبق بعد ذلك" وكان يقدم لهم العون والمساعدة، لأن رجال الشرطة المصريين كانت القوات الغازية تصرح لهم في التجول نهاراً وليلاً أثناء حظر التجوال التي فرضتها سلطات الاحتلال اعتباراً من الساعة الخامسة مساء حتي السابعة صباحاً وكان يُسخر سيارات الشرطة في نقل بعض رجال المقاومة والأسلحة عند اللزوم كما كان يستضيفنى في منزله ومنزل والده أحياناً وكنت أرسل بعض الرسائل باللاسلكى من منزله.

من أبرز عملياتهم

- عملية خطف الضابط البريطاني الملازم أنتوني مورهاوس.

- عملية قتل ضابط المخابرات البريطاني المسيجر جون وليامز الذي كان يحاول متابعة واكتشاف رجال المقاومة.

- عملية ضرب ملجأ الدبابات البريطاني المعسكرة في الشريط الساحلي بالاشتراك مع ضباط الصاعقة المصرية بقيادة اليوزباشى

البورسعيديون وسعد زغلول واللنبي

في كل عام 25 يونيو، يحرق البورسعيديون دمية تمثل الجنرال اللنبي.

البورسعيديون هم أول من حضر لتوديع الزعيم سعد زغلول أثناء نفيه إلى مالطا من ميناء بورسعيد، وكانوا من أول الفئات التي شاركت في ثورة 1919 التي أدت إلى إعادة سعد زغلول، ففي يوم نفيه من ميناء بورسعيد تجمعوا أمام الميناء لوداعه. فما كان من حكمدار بوليس القنال في وقتها وكان انجليزي يدعى "جرانت بيك" وبأوامر من اللورد "اللنبي" بمنع البورسعيديه من وداعه بعمل كردون أمني في شارع محمد علي وحدثت مواجهات بين البورسعيدية والجنود الانجليز في هذا اليوم. واستنكاراً لنفي سعد زغلول.

اتفق زعماء الثورة في بورسعيد على القيام بمظاهرة تنطلق من جامع التوفيقي يوم 21 مارس سنة 1919 طلبا للاستقلال، وخرجت مسيرة في شارع "أوجيني" مع أخرى من جموع المصلين من الجامع «العباسي» والتقوا مع الأقباط القادمين من كنيسة العذراء ليلتقوا جميعا في شارع محمد علي. وعندها تصدى الحكمدار الإنجليزي «جرانت» للمظاهرة بتعليمات من «اللنبي» وأطلق الإنجليز الرصاص عليها وقتل فيها سبعة وجرح المئات، وكانت الشرارة الأولى لثورة أعادت الزعيم سعد زغلول.

وأثناء رحيل اللنبي، من ميناء بورسعيد، في يونيو 1925، قاموا بصنع دمية على شكله، وقاموا بإحراقها، ومازال حتى الآن البورسعيديون يمارسون هذا الطقس في نفس اليوم من كل عام 25 يونيو.



0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


صحفي مصري مهتم بالأوضاع الاجتماعية والإنسانية