كانت تعيش في «أمان الله» حتى اللحظة التي اتصل بها رجل غريب على  تليفون منزلها وأخبرها أنه المأذون الشرعي، وأن زوجها طلّقها غيابيا دون علمها. وكل ما عليها فعله هو أن تنتظر وصول إخطار المحكمة إلى منزلها حتى تعتبر طالقا أمام الشرع والقانون. هكذا دون إرادة منها، ودون علمها من الأساس.

لم تكن حياة صفاء جمعة (اسم مستعار)، التي تقص حكايتها لـ«شبابيك»، وردية قبل هذه اللحظة. كان زوجها يتغيب عن المنزل كثيرا، ويرفض الإنفاق عليها أو حتى طفلته الصغيرة التي بالكاد بلغت عامها الثاني.

تقول «صفاء»: «كان ابن عمي، فكان لازم أصبر وأستحمل زي ما كل الناس كانت بتنصحني، عشان متحصلش مشكلة في العائلة».

صبرت السيدة كثيرا، حتى علمت أن زوجها يتغيب عن المنزل لأنه «متجوز عليها»، وأخفت الأمر عن الجميع لأنها تعلم أن العائلة التي نصحتها كثيرا بالصبر، قد تتحمل كل شيء إلا أن يتزوج فتاة أخرى على ابنة عمه، وهو الشيء الذي تعتبره «خارج الأصول».

تضيف: «مكنتش عايزة منه غير أنه يصرف على البنت.. بلاش يصرف عليها أنا ممكن أشتغل وأصرف عليها، بس يجي يشوفها وتحس أن ليها أب، بس هو رفض حتى يعمل ده. ووالدي عرف من بره بجوازه، والعائلة اتكلمت معاه كتير عشان يرجع لبيته الأول بس رفض، وقالهم حرفيا مش صارف عليها.. وبعدها لقيت المأذون بيتصل بيا وبيقولي أنه طلقني غيابي».

لم تكن «صفاء» ترغب في الطلاق رغم كل المشاكل التي عانتها مع زوجها؛ فضلا عن تطليقها غيابيا ودون علمها وبهذه الطريقة المهينة، وتقول: «طيب أنا وارتحت من مشاكل كتير بعد الطلاق والناس بتقولي ربنا ريحك منه؛ لكن بنتي دلوقتي بدأت تكبر وهي بتكره باباها، وسمعت وفهمت كل حاجة من الناس اللي حواليها.. أوقات ألاقيها لوحدها بتعيط وبتقول بابا مسألش عليا بقاله 3 شهور.. هي مبقتش حاسة أن ليها أب أو سند زي كل الأطفال اللي في سنها».

ماذا حدث لـ«صفاء»؟

كانت «صفاء» تعاني من مشاكل كثيرة مع زوجها، منها عدم الإنفاق والهجر وأخيرا تطليقها غيابيا دون علمها؛ دون أن يقع أي لوم على زوجها وابن عمها لأن قوانين الأحوال الشخصية تعطي الرجل الحق في تطليق زوجته دون علمها أو إرادتها.

ويشترط القانون فقط أن يتم إخبارها عن طريق إعلام على يد محضر، الذي يوصل «ورقة الطلاق» إلى مقر إقامتها، ليكون كل دورها هو التوقيع على استلامه والاستسلام للأمر الواقع.

رأي الدين 

ولأن الطلاق حق مشروع ومطلق للرجل وحده؛ فيكون للرجل استخدام هذا الحق دون أخذ إذن الزوجة أو وليها؛ فهو حقه الشرعي أو القانوني يستخدمه حين لا يريد استمرار الحياة مع زوجته؛ كما يؤكد مدير إدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، الدكتور عبد العزيز النجار لـ«شبابيك».

وبالنسبة للطلاق الغيابي، فيقول «النجار» إن الشرع لا يضع له أي قيود، باستثناء شرطا واحدا، وهو إخبار المرأة بطلاقها من زوجها.

وبوقوع الطلاق الغيابي فإن الزوجة تأخذ كافة حقوقها من نفقة ومؤخر صداق ولا يسقط عنها أي شيء من هذه الحقوق.

لكن الأمر مختلف كثيرا في حالة «صفاء» فقد طلقها زوجها غيابيا حتى يتهرب من مسؤوليتها ومسؤولية طفلته. تقول «صفاء» إن: «المحكمة  بتوفر لك النفقة ومؤخر الصداق، لكن اقعدي بقى سنين عشان تعرفي تاخدي حاجة بسبب الروتين في المحاكم».

لهذه الأسباب. تحدث حالة طلاق كل 6 دقائق 

عايز يكسر مناخيرها


مؤسسة «مطلقات راديو»، محاسن صابر، التي خصصت إذاعة أونلاين للحديث عن قضية الطلاق؛ تعلق لـ«شبابيك» على حالة «صفاء» وغيرها بأنه إذا كان الشرع قد أعطى الرجل الحق في الطلاق الغيابي، مع إعطاء المرأة كافة حقوقها المادية؛ فالطلاق الغيابي هو شيء مهين للمرأة، يلجأ له الرجل «عشان يكسر مناخيرها» أو يحرمها من حقوقها. وحتى لو كانت كثير من قوانين الأحوال الشخصية تنصف المرأة، فالروتين الحكومي يضيع عليها التمتع بهذه الحقوق.

الطلاق الغيابي أنصف المرأة

وإذا كان الطلاق حق للرجل أقره له الشرع والقانون دون شروط،، كما يشرح المحامي خالد ضاحي؛ لكن هذا الحق غير المشروط استغله البعض أسوأ استغلال.

يحكي «ضاحي» لـ«شبابيك»: «كان الرجل يطلق زوجته غيابيا، ودون أن يخبرها بالطلاق، بدافع الانتقام أو لحرمانها من الميراث مثلا؛ كأن يطلق الرجل زوجته دون علمها، لكنه يستمر في العيش معها كأنها لا تزال زوجته، ثم عندما يموت الرجل لا يكون للمرأة  أي حق في الميراث لأنها مطلقة».

ويؤكد «ضاحي» أنه كان لابد من تعديل القوانين لتحمي المرأة من سوء استغلال بعض الرجال. واشترطت هذه التعديلات ألا يقع الطلاق إلا بدءا من تاريخ إخبار الزوجة بالطلاق الغيابي، واستلامها محضر الطلاق، أو حتى في حالة علمها ورفضها الاستلام.

ويضيف أنه إذا لم تعلم الزوجة أن زوجها طلقها غيابيا، فالمحكمة لا تعتبرها طالقا، حتى لو مر على الطلاق الغيابي 10 سنوات، وفي هذه الحالة ستكون مستحقه للميراث في حالة توفي زوجها الذي طلقها غيابيا دون علمها.

طلقت وناوي تتجوز تاني.. طب خلي النصائح دي حلقة في ودنك

بعض الرجال يتحايلون على القانون

وحتى يبتعد القانون عن شبهة عدم إعلام الزوجة بخبر طلاقها الغيابي؛ فالقانون يشترط أن يتم إثبات عنوانين في المحضر؛ العنوان الأول هو مقر إقامة الزوجة والذي يقر به الزوج.

والعنوان الثاني هو العنوان الذي ترغب الزوجة في أن يتم إبلاغها عليها بأي إخطارات بخصوص زواجها؛ وهو العنوان التي تثبته المرأة بنفسها في قسيمة الزواج؛ كما يؤكد المأذون الشرعي لمنطقة قصر الشوق، محمد أمين البنجي.

ويقول «البنجي»: «لكن مع الأسف فإن 70% من حالات الطلاق الغيابي، لا تعلم فيها الزوجة بتطليقها غيابيا؛ وهذا يحدث في حالتين إما أن يتعمد الزوج وضع عنوان خاطئ لمقر إقامة الزوجة أو تغير الزوجة عنوان المقر التي رغبت في إرسال الإخطارات عليه».

المزيد من الحيل

حيلة أخرى يلجأ إليها بعض الرجال وبالأخض الذين يسافرون للدول الأوروبية؛ كما يوضح «البنجي» في حديثه لـ«شبابيك».

 فالدول الأوربية لا تقبل بتعدد الأزواج؛ وهنا يضطر الرجل الذي يريد الزواج من أجنبية ليحصل على الجنسية، بتطليق زوجته المصرية غيابيا ويتعمد إخفاء الأمر عليها.

ومشكلة أخرى تنتج عن هذه الطريقة في الطلاق، وهو أن هذا الرجل عندما يعود إلى بلده في الإجازات أيضا فإنه يستمر في الحياة مع زوجته وكأنه لم يطلقها وقد ينجب منها أيضا.

وإذا عاد الرجل لزوجته الأولى في خلال شهور العدة، فمن حقه أن يراجعها حتى وإن لم يخبرها وبمجرد المعاشرة الزوجية؛ كما يؤكد المأذون الشرعي لقصر الشوق. لكن إذا لم يراجعها قبل انقضاء العدة يعتبرها الشرع والقانون طالقا منه.

الطلاق مش آخر الدنيا.. انجحي وخليه يندم عليكي

تعويض عن الضرر النفسي


لكن مهما حاولت القوانين إعطاء بعض الحقوق للمرأة، فالطلاق الغيابي يعتبر طلاقا تعسفيا يضع المرأة فجأة  أمام الأمر الواقع ؛ كما يوضح «ضاحي».

لذلك أصبح من حق المرأة المطلقة غيابيا أن ترفع دعوى «تعويض عن الضرر النفسي» كما يشرح «ضاحي»؛ في حالة إذا طلقها زوجها غيابيا دون أن تقصر في وجباتها الزوجية. وهنا تقرر لها المحكمة ما يعرف بـ«نفقة المتعة» وتقدرعن عدد السنوات التي عاشتها مع زوجها، كنوع من «جبر خاطرها».

أكثر من دعوى قضائية

وبخلاف دعوى التعويض عن الضرر النفسي ونفقة المتعة، سيكون على المرأة المطلقة غيابيا أن «تلف على المحاكم» لترفع أكثر من دعوى قضائية حتى تنال حقوقها الأساسية، مثل النفقة الشهرية ومؤخر الصداق؛ لأن الرجل الذي يطلق زوجته غيابيا لا يكون في نيته أن يعطي زوجته حقوقها هكذا بكل بساطة، كما تقول المحامية بالنقض، رانيا أنور.

رانيا أنور تعاملت مع العديد من حالات الطلاق، وتؤكد أن عدم علم المرأة بتطليقها غيابيا لا يلغي وقوع الطلاق.

 لكن كل ما يحدث هو بطلان الإجراءات المترتبة على الطلاق؛ مثل النفقة ومؤخر الصداق أو عدم استحقاقها للميراث؛ فإذا توفي الزوج قبل أن تعلم زوجته أنه طلقها غيابيا فإنها ترث منه كأنها لاتزال زوجته رغم وقوع الطلاق.

أما إذا أخفى الرجل الطلاق الغيابي عن زوجته واستمر في العيش معها وأنجبت منه؛ فالقانون يوفر للزوجة أن ترفع قضية إثبات نسب، معتمدة على شهود الحياة الزوجية مثل الجيران والأقارب ودعوى لإجراء تحليل «DNA» كما تؤكد المحامية بالنقض لـ«شبابيك».

ومن الناحية الشرعية، يؤكد مدير إدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية الدكتور عبد العزيز النجار أن الزوجة لا يقع عليها أي إثم بسبب معاشرتها لزوجها وهي لا تعلم أنه طلقها غيابيا، ويحتسب الشرع وقوع الطلاق من لحظة علمها، كما يلزم الزوج بإثبات نسب الطفل إليه، ويقع الذنب على الرجل فقط.

الطلاق أفضل للزوجين إذا وصلت الأمور لهذا الحد

وقد تكون المرأة هي الظالمة

نساء كثيرات يتم ظلمهن بسبب الطلاق الغيابي، لكن هذا لم يمنع المأذون الشرعي لقصر الشوق، أمين البنجي، من التأكيد على أن بعض النساء تسفيد كثيرا من الطلاق الغيابي.

ففي بعض الحالات يكون الرجل مضطرا لتطليق زوجته غيابيا. يقول «البنجي» إن الأصل أن يقع الطلاق باتفاق الطرفين؛ لكن إذا تعنتت الزوجة ورفضت الطلاق، فالزوج يلجأ لتطليقها غيابيا؛ وفي هذه الحالة تعطى كامل حقوقها بالإضافة إلى نفقة المتعة، وبعض النساء تفضل أن يتم تطليقها غيابيا حتى تحصل على هذه الحقوق كاملة وهو الأمر الذي قد لا يتوفر في الطلاق الحضوري.

ويكشف «البنجي» أن المرأة من حقها أيضا أن تتطلق من زوجها غيابيا إذا كانت العصمة في يدها، وهي حالات وإن كانت لا تقع كثيرا ونسبتها 2% فقط من حالات الزواج؛ لكن يقرها القانون ولا يتم الإعلان عنها حتى لا تنجرح مشاعر الرجل أمام الآخرين، لكن القانون أيضا يحق للرجل أن يرد الرجل المرأة غيابيا حتى وإن كانت العصمة في يدها.

تعدد الزوجات.. متعة للرجل ولا هروب من المشاكل؟ 




0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال