قصف وإبادة تتعرض لها مدينة حلب السورية منذ مساء الاثنين 12 ديسمبر 2016؛ من جانب الجيش السوري الموالي لنظام بشار الأسد.

تكهنات كثيرة طرحها الساسة بشأن إحكام نظام بشار سيطرته على المدينة التي صارت ككومة من الأنقاض.. يرى البعض أنها ستكون إيذانا بسيطرة الأسد على سوريا كلها، التي تشتت فيها قوى المعارضة وتنظيم الدولة الإسلامية بين المدن المختلفة؛ والبعض الآخر يرى أن للحرب في سوريا سجالا طويلا لن ينتهي بين يوم وليلة وسيلزمه المزيد من التدخل العسكري.

بداية أزمة جديدة

إذا كانت الدلائل تشير إلى أن الرئيس السوري بشار الأسد، قد أحكم  سيطرته بشكل كامل على مدينة حلب، واستئصل المعارضة منها؛ لكن هذا يشكل فقط بداية لمرحلة جديدة من الأزمة السورية وليست نهايتها.. كان هذا ما يراه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور حسن نافعة.

يقول «نافعة» لـ«شبابيك» أن سيطرة بشار الأسد على مدينة حلب، وإخضاعها بعد الإبادة التي تمارس الآن لن يكون نهاية الأزمة السورية؛ فقوات المعارضة وتنظيم الدولة الإسلامية لا تزال تسيطر بشكل كبير على مساحات واسعة من سوريا.

 لكن سيطرة الأسد على حلب سيحسن كثيرا من موقف النظام السوري في مواجهة الفصائل الأخرى.

لصالح من؟

عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة بني سويف، الدكتور علي مسعود، يرى أن سيطرة نظام بشار على مدينة حلب تعتبر «خطوة مهمة جدا» بالنسبة للجيش السوري الموالي لبشار، ضد خصومه سواء من المعارضة السورية أو تنظيم الدولة.

لا يخفى على أحد دعم روسيا الكبير للجيش السوري وخصوصا الدعم اللوجستي الخاص بالمعلومات والتموين والتسليح.. وفي رأي «مسعود» فهذا قد ساعد الجيش السوري بشكل كبير على سيطرته الكبيرة على حلب بهذا الشكل.

وفي المقابل فإن هذه الضربة الأخيرة تعني أن سيطرة نظام بشار على باقي أجزاء سوريا لكن يكون بنفس الصعوبة السابقة؛ فشوكة تنظيم الدولة قد انكسرت كما يؤكد أستاذ العلوم السياسية لـ«شبابيك».

هل ستنهزم المعارضة حقا؟

في مقال له بموقع «نيويورك تايمز» يقول الباحث في شئون الشرق الأوسط، فيصل عتياني؛ إن انتصار بشار في حلب هو جزء من خطته مع حلفاءه الروس والإيرانيين لكسر شوكة المقاومة السورية للأبد.

لقد قال بشار في مقابلة صحفية سابقة «إذا سقطت حلب فهذا يمثل نقطة تحول كبيرة لصالح النظام السوري لكنها بالتأكيد ليست نهاية الحرب».

يضع «عتياني» في مقاله سيناريو آخر للمقاومة بعد سقوط حلب؛ فقد تهرب إلى إدلب أو الريف الشرقي من حلب الذي تسيطر عليه فصائل متمردة تحظى بدعم تركيا؛ ليشكلوا نقطة ارتكاز جديدة لهم.

مزيد من العنف ضد بشار

سوريا

لكن الأمر ليس ورديا بالنسبة لبشار، فضم حلب للمناطق الذي يسيطر عليها، لا تعني أكثر من سيطرة النظام السوري على ثلث مساحة سوريا، بينما يظل ثلثي البلاد ما بين قوات المعارضة السورية وأخرى بيد تنظيم الدولة الإسلامية.

الصحفي المختص بقضايا الشرق الأوسط، ديفيد هيرست، يوضح في مقال نشر له بموقع «ميدل إيست» أن انتصار بشار في حلب، لا يعني سوى «خوف ودمار كثير سوف يأتي نتيجة لهذا النصر الصغير للنظام الذي سيعتبر وقودا يشعل المقاومة مرة أخرى والتي لن تلجأ إلا لحل من اثنين إما حرب شوارع في مواجهة النظام أو عمليات استشهادية أو كلاهما معا».

سيناريو آخر يطرحه «هيرست» وهو انهزام المقاومة وتنظيم الدولة بالكامل ليبقى بشار على رأس سوريا، لتبدأ مفاوضات لا نهاية لها مع الأطراف الدولية المتورطة في هذا الصراع.. ولن تجرى بعد اللحظة انتخابات رئاسية أو يعود اللاجئون إلى بلادهم أو ينعم المواطنون المقيمون في سوريا بشيء غير الأنقاض والركام، ويكون ثمن كل هذا هو بقاء بشار في السلطة.

المدينة القديمة أصبحت أثر.. هذه حكاية حلب

دعم المعارضة السورية

لم يكن انتصارالأسد في حلب إلا نتاج دعم روسي كبير، كما توضح أستاذة العلوم السياسية بجامعة 6 أكتوبر، الدكتورة هالة الهلالي لـ«شبابيك».. لكن في المقابل فالمعارضة السورية تتلقى أيضا دعما كبيرا من أطراف الصراع التي لا تريد للأسد الاستمرار في الحكم.

لم تكن حلب غير جزء صغير جدا من الصراع في سوريا كما ترى الهلالي، وبهذا لا يمكننا القول إن المعارضة السورية قد انكسرت شوكتها أوانهزمت.

«الوضع في سوريا معقد للغاية وكل من النظام السوري والمعارضة وتنظيم داعش، تقف خلفة جهاد أجنبية تدعمه بقوة؛ ولذلك فالحرب مستمرة وستستمر لسنين طويلة قادمة»، وفق الهلالي.

تؤيد أستاذة العلوم السياسية، السيناريو الذي طرحة «هيرست» فيما يتعلق باشتعال المعارضة ضد النظام الحاكم.

وتقول: «سنجد أنفسنا أمام صراعات طاحنة حرب شوارع  تتشارك فيها عدة أطراف؛ المعارضة السورية وتنظيم داعش والجيش السوري ومليشيات مسلحة تدعمها جهات خارجية.. لا نستطيع أن نقول إطلاقا أن المعارضة انتهت أو أن داعش انتهى بسقوط حلب.

هل يصبح التفاوض حلا؟

تحليلات سياسية كثيرة هنا وهناك تتنبأ بحدوث تفاوض بين النظام السوري والمعارضة بعد سقوط حلب.. لكن الدكتور علي مسعود، لا يرى أن الأمور ستئول لهذا الحل.

يقول مسعود: «لن يكون هناك تفاوض، ولكنها ستكون مجرد هدنة مع الأطراف المتصارعة لالتقاط الأنفاس؛ ثم مواصلة العمليات العسكرية من جديد».

وإن كان عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية يرى أن قصف حلب يمثل قلبا في الموازين لصالح الجيش السوري؛ لكن هذا يعني أن تدخلا عسكريا كبيرا سيحدث في الأيام المقبلة لإخضاع سوريا بأكملها لسيطرته.. قد يطول الأمر لسنوات أخرى كما يرى أستاذ العلوم السياسية.

وفي كل الأحوال لا يمكن للتفاوض أن يحدث في ظل وجود الأسد في الحكم؛ كما تؤكد الهلالي.

قد يحدث تقارب روسي أمريكي في وجهات النظر بعد استلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحكم، ثم الجلوس مع المعارضة السورية للتفاوض واللجوء لحل سياسي لإنهاء الحرب.. قد يكون ثمن التفاوض هو الإطاحة ببشار الأسد إذا رأت القوى الكبرى مصلحتها في تنحيته جانبا، ثم الاتفاق مع المعارضة بعد كل هذه الويلات التي تكبدتها سوريا والشعب السوري.

حلب نموذجا.. إلى أي مدى فيس بوك عنصري؟

أمريكا هل ستقضي على داعش حقا؟

وما بين هذه التكهنات جميعا؛ فالكل ينتظر سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تشكل نقطة تحول أخرى في مسار الأزمة السورية، كما يؤكد نافعة.

وإن صحت التكهنات بوجود تعاون بين روسيا وأمريكا تجاه الأزمة السورية وموقفهما الموحد من المعارضة السورية وبشار الأسد ثم تنظيم الدولة؛ فسوف يكون الجهد الأمريكي الروسي مركزا على جبهتين الأولى هي التخلص من سيطرة «داعش» على الأراضي السورية؛ والثانية التوصل لحل دبلوماسي بين المعارضة والنظام السوري.

لكن «مسعود» لا يراهن كثيرا على تصريحات «ترامب» بالقضاء على تنظيم داعش؛ فأمريكا أولا وأخيرا بلد مؤسسات، وقد سمعنا الكثير من الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما عن القضاء على الإرهاب والانسحاب من العراق لكن.. ماذا حدث، العراق لا زالت تتصارع تحت مسمى الحروب الأهلية؛ وسواء الولايات المتحدة أو غيرها، فكل دولة تسعى لتحقيق مصالحها في سوريا بغض النظر عن أي تصريحات أو وعود أخرى».

التلاعب بأوضاع جديدة

وفي مقاله بموقع «ميديل إيست» مرة أخرى يشير «هيرست» لوجود علاقة غير معلنة بين المرحلة الانتقالية التي تشهدها الولايات المتحدة حتى يتسلم «ترامب» السلطة رسميا من أوباما.

فخلال الأيام الماضي كان ترامب يدير حملة مكثفة لاختيار أعضاء إدارته الذين سيتولون عملية نقل السلطة من إدارة أوباما المنتهية ولايته إلى الرئيس الجديد المنتخب.

تبدو هذه المرحلة في نظر «هيرست» فرصة مثالية لإحداث تغيرات وأوضاع جديدة في الشرق الأوسط، تناسب المرحلة الجديدة التي ستدخلها الولايات المتحدة بقيادة «ترامب».

ويستدل الصحفي المختص بشئون الشرق الأوسط على حادثة مماثلة حينما استغلت إسرائيل الفترة الانقالية بين الرئيس الأسبق جورج بوش وأوباما لخرق الهدنة مع قطاع غزة في الفترة ما بين 27 ديسمبر 2008 وحتى 18 يناير 2009، وشن غارات عنيفة.

حدثت هذه الحرب العنيفة رغم وعود كثيرة تعهد بها أوباما تجاه تعاملة مع القضية الفلسطينية وأزمة العراق.

روشتة علاج.. كيف تتجاوز صدمة الانفجارات وحوادث العنف

شوكة في ظهر البلاد

لم يعد السؤال الآن هل سينتهي تنظيم «داعش» بعد سقوط حلب كما توضح الهلالي؛ قد يسقط «داعش» لكن هل سينتهي الإرهاب بمجرد سقوط التنظيم أم ستظهر تحت مسمى جديد؟

تستكمل الهلالي لـ«شبابيك»: «كانت طالبان صناعة أمريكيا ضد الروس في حرب أفغانستان، ومن طالبان خرج داعش الذي هي صناعة تخدم المصالح الأمريكية أيضا وخصوصا تجارة السلاح التي يقوم عليها الاقتصاد الأمريكي الآن.. ميليشيات داعش لن تنتهي بين يوم وليلة هي الأخر، سيحتاج الأمر لسنين طويلة؛ فالحرب انتهت في أفغانستان منذ زمن بعيد ولا تزال طالبان متواجدة بقوة».

الأمر يتوقف كما سيؤول إليه الصراع مع كل هذه الأطراف؛ فسواء كان صراع بين المعارضة والنظام أو المعارضة وداعش أو داعش والنظام السوري كما تقول الهلالي.. فأمام سوريا سنوات طويلة أخرى من الحرب والذي إن انتهى لصالح المعارضة بالتفاوض؛ فلن تنتهي داعش إلا بتواجد حاسم وقوي من جانب المعارضة السورية.

نصر بطعم الهزيمة

لكن بعد ماذا؟ تتسائل أستاذة العلوم السياسية.. ماذا بعد لو لجأت الأطراف للتفاوض أو تم استبعاد بشار الأسد بالفعل، لقد تم تدمير البلد بالكامل، تدمير الجيش والبنية التحتية وكل شيء، وأي حديث عن إعمار حل أو إعمار سوريا بمساعدات دولية ستكون مساعدة مشروطة بمصالح الدول الكبرى.

«لن تعود سوريا أبدا كما كانت قبل الثورة».. هكذا توضح الهلالي التي تقول: «انظر إلى سياسات أمريكا وغيرها من الدول الكبرى في المنطقة، كالعراق نموذجا؛ فسياستها هي التفرقة وتدمير البلد وإنهاكها ثم إعادة بناءها وفقا للمصالح  الكبرى وحسب».

لماذا فشلت سوريا في حرب أكتوبر




1
1
0
0
0
1
0