كان العام 2016 عصيبا على معظم المصريين؛ أزمات اقتصادية وانهيار لقيمة الجنيه أمام الدولار، وتوتر أمني. تقارير محلية ودولية تنتشر هنا وهناك حول أن هذا العام هو الأسوأ في تاريخ مصر وعلى نواحي عديدة.

وفي سبيل التحقق مما سبق، تحدث «شبابيك» مع مجموعة من الخبراء وصنّاع الرأي في المجالات السياسية، الاقتصادية، والقضائية، الإعلامية، الفنية والرياضية أيضا، لنسأل ما هو العام الأكثر قسوة على المصريين طبقا لرؤية كل منهم.

يتحدث في هذا الموضوع: نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد، والكاتب الصحفي عبدالله السناوي، ووزير العدل الأسبق أحمد مكي، ونائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان عبدالغفار شكر، والخبير الاقتصادي عبدالخالق فاروق، والناقدة الفنية ماجدة خير الله، ولاعب مصر السابق طارق يحيى.

السياسة: عبدالغفار شكر

كانت الهزيمة القاصمة لظهر مصر في رأي القيادي الاشتراكي ونائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، عبد الغفار شكر، هي هزيمة 1967، كان هذا العام هو عام النكسة، وهزيمة عسكرية فادحة ألقت بظلالها على الوضع السياسي.

شرارة البدء كانت القضية المعروفة بـ«ضباط سلاح الطيران» عبر محاكمة عسكرية عليا في فبراير 1968 للضباط المهتمين بالإهمال والتقصير الذي أدى إلى النكسة وتدمير القوات الإسرائيلية للمطارات والقواعد الحربية المصرية؛ ثم جاءت المحكمة العسكرية لتصدر أحكاما ما بين الحبس 15 عاما و10 أعوام والبراءة للمتهمين في 20 فبراير.

لكن هذه الأحكام لم ترها فئات كبيرة من الشعب رادعة بحجم الهزيمة الكاسحة كما يوضح «شكر»لـ«شبابيك»؛ اندلعت مظاهرات واحتجاجات حادة قادها الطلاب والعمال في اليوم التالي الموافق 21 فبراير.

كانت البلاد واقعة تحت هزيمة عسكرية فادحة وهزيمة معنوية لا تقل سوءا، والوضع السياسي قبل النكسة يشهد ركودا شديدا بعد إلغاء الأحزاب واستبدالها بالاتحاد الاشتراكي.

تجاوب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع هذه الاحتجاجات كما يوضع القيادي الاشتراكي، وطاف ثلاثة محافظات يخاطب الجماهير ويعدهم بتنفيذ مطالبهم؛ ففي جامعة القاهرة كان يخاطب الطلاب والمثقفين وفي حلوان خاطب العمال، وذهب إلى المنصورة ليخاطب الفلاحين. كان عام 1967عصيبا على المصريين، لكن كانت للمرحلة السابقة لها جوانب إيجابية كثيرة أهمها العدالة الاجتماعية وتوزيع الأرض على الفلاحين، كما يؤكد نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في حديثه لـ«شبابيك».

الاقتصاد: عبدالخالق فاروق

كان العام 2016 عند الخبير الاقتصادي والمدير السابق لمركز النيل للدراسات الاستيراتيجية، الدكتور عبد الخالق فاروق، استمرارا لسياسيات اقتصادية تمارس على مدار أربعين عاما؛ ووصلت بالاقتصاد المصري إلى القاع.

هذه السياسات التي يحددها «فاروق» في «التحيز لرجال الأعمال، وتحميل محدودي الدخل والفقراء عبء المشكلات الاقتصادية، واتباع سياسات السوق الحرة القائمة على سياسة العرض والطلب، دون وضع خطة اقتصادية حقيقية».

الوضع الاقتصادي الحالي يهدد أكثر من 70% من أبناء الشعب المصري، كما يؤكد الخبير الاقتصادي لـ«شبابيك»، ويوضح «لم يسبق في أي مرحلة أخرى أن يتم تحميل محدودي الدخل أعباء المشاكل الاقتصادية بهذا الشكل خوفا من الانفجار الاجتماعي».

نعيش اليوم أسوأ الأوضاع الاقتصادية، هكذا يصرح «فاروق»؛ «فالاستسلام لسياسيات صندوق النقد الدولي، والإنفاق في مشاريع غير ذات أولوية مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومشاريع البنية التحتية؛ كل هذا نتج عنه امتصاص لجزء كبير من موارد الدولة وانهيار قيمة الجنيه المصري أمام الدولار».  

في العام 2016 يذهب الاقتصاد المصري إلى حافة الهاوية،  يضيف مدير مركز النيل للدراسات الاستيراتيجية في حديثه لـ«شبابيك»، ويتابع «وحتى في الأيام التي تلت الثورة مباشرة وكان الإعلام يردد أن مصر على وشك الإفلاس، كنت أردد دائما في وسائل الإعلام المختلفة أن هذا الكلام غير صحيح بالمرة وأن مصر بها الكثير من الموارد لكن ينقصها حسن الاستغلال».

أشطر من رئيس تحرير.. هكذا تصبح صحفيا ناجحا في 2017

الفن: ماجدة خير الله

تذهب الناقدة الفنية، ماجدة خير الله، بالزمن إلى الوراء حيث العام 1967 وتحديدا بعد النكسة؛ كانت فترة عصيبة على الوسط الفني بشكل عام، والبلاد كلها تعمها هزيمة عسكرية وسياسية واقتصادية ومعنوية وفكرية أيضا.

ألقت هذه الهزيمة بظلالها على الوسط الفني الذي حدث به ارتباك شديد بسبب هجرة الفنانين الكبار  إلى سوريا وتركيا بحثا عن فرص وحياة أفضل.

هاجرت فاتن حمامة وسعاد حسني إلى لبنان، هكذا تحكي «خير الله» لـ«شبابيك»، مشيرة إلى أن الإنتاج هنا توقف بالكامل، ولم يجد المخرجون عملا وكذلك جميع الرموز الفنية الكبيرة.

لم تفرز المرحلة التالية للنكسة إلا أفلاما تافهة و«هلس» كما تصفها الناقدة الفنية؛ التي تتابع: من الممكن تصنيفها كأكثر الأفلام تفاهة في تاريخ الفن كله، اشتهر بعضها بالتأكيد لكنها حملت شهرة سلبية ومسيئة جدا للوسط الفني، أحد هذه الأفلام هي «ذئاب لا تأكل اللحم» والآخر هو «سيدة الأقمار السوداء».

ولم تدم الظلمة كثيرا فمع نهاية السبعينيات ظهر جيل جديد من الفنانين والمخرجين، وبدأ الوسط الفني في التعافي؛ كما تصف الناقدة الفنية.

لكن الأمر لم يدم أكثر من أربعين عاما حتى حدثت انتكاسة أخرى للفن، تتابع خير الله حديثها لـ«شبابيك»، وتقول إن: «الفترة التي نعيشها شهدت سوءا في المستوى والآداء الفني وقلة في الإنتاج مقارنة بذي قبل.. ممثلون كبار توقفوا عن العمل ولم يعودوا مطلوبين مثل السابق، وهذا أدى لضعف المستوى الفني جنبا إلى جنب مع العامل الاقتصادي، فالمنتجون الذين يحملون أفكار جيدة وقيمة يخافون من المغامرة.. وشركات كبرى قيمة أغلقت أبوباها تجنبا للخسارة».

من يريد الكسب السريع في هذا العصر كان يلجأ إلى «التفاهة» كما توضح «خير الله»، وانتشرت ظاهرة الأفلام التجارية.

الرقابة أدت دورها في هذا التدهور الفني، واتسمت المرحلة الحالية برقابة شديدة على الأعمال التي تحمل طرحا فكريا أو سياسيا؛ لم نعرفه حتى في الفترات التي قيل عنها أنها أشد الفترات من حيث الرقابة، ففي عهد جمال عبد الناصر ظهرت أفلام مثل «شيء من الخوف» الذي حمل إسقاطات سياسية قوية.

لا تعدم هذه المرحلة من وجوه وأعمال جيده تبشر بوضع أفضل للسينما في الأعوام القادمة، تقول «خير الله» إن: «السينما صناعة قوية، ورغم كل الأحداث السياسية المؤسفة التي وقعت وأثرت عليها؛ إلا أنها تستطيع النهوض من جديد». 

القضاء: أحمد مكي

«كانت سنة عصيبة بالمقاييس الإنسانية قبل القضائية»، هذه هي الجملة التي اختار وزير العدل السابق، المستشار أحمد مكي، أن يصف بها العام 2016 عندما سأله «شبابيك» عن العام الأكثر سوءا للقضاء المصري.

في رأي «مكي» فالعام انتهى أسوأ نهاية ممكنة مخلفا وراءه أزمات اقتصادية وسياسية، وكانت القشة التي قصمت ظهر هذا العام هي قرار مصر بسحب مشروع القانون الذي يدين بناء المستوطنات الإسرائلية في فلسطين؛ من مجلس الأمن.

ولطالما كانت القضية الفلسطينية هي القضية الرئيسية لمصر وللمصريين على المستوى الدولي؛ فلم تدافع دولة عن فلسطين مثلما فعلت مصر في كل عصورها. يصف «مكي» هذا التصرف بـ«الفضيحة الدولية».

شهد العام 2016 في رأي الوزير السابق «ردة حضارية» إذا أردنا أن نصف حال القضاء. يقول «مكي»: «كان هذا العام أشد قسوة على الجميع، واستخدمت أحكام القضاء لأجل الانتقام وتصفية الخصوم السياسيين، بشكل غير معهود.. تزايدت أعداد المحبوسين وتضاعفت قضايا التعذيب في السجون.. شهدنا تزايدا في أحكام الإعدام لم تعرفه مصر في أشد عصورها دكتاتورية؛ وكان تعامل القضاء هزليا في قضايا هامة ودولية مثل مقتل الإيطالي جوليو ريجيني».

لم يحدث أن وصل القضاء المصري لهذه الحالة المتردية خلال العصور السابقة. يتابع «مكي» لـ«شبابيك»: «شهدت تلك العصور تصفية للخصوم السياسيين أيضا، أنشأ جمال عبد الناصر محكمة الثورة ومحكمة الشعب، ثم كانت المحاكم العسكرية في عهد الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك؛ وظل القضاء رغم ذلك بعيدا عن استخدامه كأداة للتصفية السياسية».

يارب نبقى زي رواندا.. قصة دولة أفريقية من المجاعة لواحة التنمية

الرياضة: طارق يحيى

أحداث أخرى عاشتها مصر وارتبطت بالوسط الرياضي وأثرت عليه بشكل كبير، يراها المدير الفني السابق لنادي الشرقية، طارق يحيى الأسوأ والأكثر تأثيرا على الوسط الرياضي.

كان العام 2012 هو الأبرز والذي اندلعت فيه أحداث بورسعيد؛ يليه العام 2015، حينما وقعت أحداث الدفاع الجوي.

يقول «يحيى» في حديثه مع «شبابيك»: «لا شك أن أحداث 2012 كانت الأسوأ في تأثيرها على الوسط الرياضي، سواء فيما يتعلق بالناحية المعنوية أو الفنية».

ففي أحداث بورسعيد قتل نحو 74 شابا من الجماهير؛ وهو شيء غير مسبوق ولم يعتده الوسط الرياضي على مدى تاريخه؛ وفقد الوسط الرياضي استقراره وخسر عددا كبيرا من جماهيره، ثم أصبح الخوف مسيطرا على الجماهير المصرية بشكل كبير، ولم يعد هناك جماهير حقيقية تحضر المباريات؛ خاصة بعد أن تلت «بورسعيد» أحداث «الدفاع الجوي» الذي راح ضحيتها 22 شخصا آخرين.

ومن الناحية الفنية فبسبب هذه أحداث «بورسعيد» تم إلغاء الدوري لعام 2012، وتأثر اللاعبون بشكل سلبي للغاية ولم نستطع الوصول لكأس الأمم الأفريقية من العام نفسه، وتم منع إقامة مباريات في ستاد بورسعيد، وإلى اليوم لا يستطيع لاعبو الأهلي أو المصري اللعب في بورسعيد أو القاهرة منذ هذه الأحداث.

الأعوام التالية وبالأخص 2016 التي يصفها «يحيى» لـ«شبابيك» بأنها شهدت شيئا من الاستقرار السياسي؛ كان لها تأثيرها على الوسط الرياضي أيضا. يقول «يحيى» إن: «الجماهير بدأت تستعيد الثقة مرة أخرى في أنديتها وتزايد حضورها في المباريات المختلفة عن الأعوام السابقة؛ وعادت مباريات الدوري إلى سابق عهدها».

الإعلام: مكرم محمد أحمد، يحيى قلاش وعبدالله السناوي

لم تكن الحريات الصحفية في وضع مبشر بالخير في العام 2016، بالنسبة لرئيس تحرير جريدة «العربي»، عبد الله السناوي.

يقول «السناوي»: «لسنا في حاجة إلى تقارير دولية لنقول أن الحريات الصحفية وسلامة الصحفيين تأتي في موقع متخلف هذا العام مقارنة بالدول الأخرى». يشير «السناوي» إلى تقرير لمنظمة «مراسلون بلا حدود» الفرنسية الذي يضع مصر في ترتيب متأخر لا تزيد عنه سوءا إلا بلاد مثل تركيا وسوريا.

لم يُعرف في التاريخ المصري أن حدث صدام بين الدولة ونقابة الصحفيين، كما يتابع «السناوي» لـ«شبابيك»؛ ويشير إلى اقتحام قوات الأمن في مايو الماضي للنقابة والقبص على الصحفيين محمود السقا وعمرو بدر بتهمة التحريض على التظاهر؛ ثم أصدرت المحكمة حكما قضائيا ضد نقيب الصحفين يحيى قلاش، وعضوي مجلس إدارة النقابة جمال عبد الرحيم وخالد البلشي؛ بتهمة إيواء صحفيين مطلوبين للتحقيق في مقر النقابة، هذا يبعث برسالة سلبية للعالم عن سلامة الصحفيين في مصر، العالم كله لا يمكن أن يفهم أو يستوعب ما حدث.

مؤشر آخر يجعل من 2016 العام الأسوأ كما يراه «السناوي» هو الخروقات صحفية والإعلامية والمهنية التي تمارس في الصحف والقنوات التليفيزيونية، فعدد كبير جدا من الصحفيين محبوسون خلف القضبان، ولا يوجد أسباب أو محاكمات واضحة نعرف منها إذا كان قبض على هؤلاء الصحفيين بسبب ضبط جنائي أم لمجرد تأديتهم لمهام عملهم؟

ماذا قال نقيب الصحفيين الأسبق؟

«في عام 2016 لم تقتحم نقابة الصحفيين»، هكذا يصرح نقيب الصحفيين الأسبق، مكرم محمد أحمد، ويوضح أن «قوات الأمن دخلت النقابة بأمر قضائي بالضبط والإحضار؛ والنقابة ليست مكانا للاعتصامات والمخطئ هو من جعلها كذلك».

يرفض نقيب الصحفيين السابق، فكرة التعميم أو أن نصف عاما بعينه بأنه كان الأسوأ في تاريخ مصر بالنسبة للإعلام أو حرية الصحافة.

الصحافة المصرية في نظر النقيب السابق هي صحافة حيوية ومتحركة؛ ولطالما كان الصحفيون يدفعون ثمن نزاهة أقلامهم على مر العصور.

ويضيف «ربما لا نكون الأفضل، وربما لدينا مشاكل كثيرة نحتاج إلى حلها.. نحتاج لتحسين أوضاع الصحفيين المالية حتى لا تضيع حقوقهم، نحتاج إلى أن تكون الصحافة مستقلة بالفعل، نحتاج لضوابط أخلاقية ومهنية للعمل الصحفي ورغم كل هذا لا يمكن أن نصف أحد الأعوام بأنه الأسوأ في تاريخ الصحافة المصرية».

ويتابع نقيب الصحفيين السابق لـ«شبابيك»، أن الحقبة الناصرية شهدت في نهايتها مساحة كبيرة من حرية الرأي؛ وكتب يوسف إدريس مقالات تنتقد النظام وكتب توفيق الحكيم مسرحية «بنك القلق» التي تصف خوف المجتمع من القمع الذي يمارسه النظام.

وعلى النقيض شهدت الفترة الليبرالية من تاريخ مصر محاكمة طه حسين عن كتابه «الشعر الجاهلي» عام 1927.

روشتة علاج.. كيف تتجاوز صدمة الانفجارات وحوادث العنف؟

2
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال