ألحان وتوزيع وموسيقى تصويرية وتأليف موسيقى وقيادة أوركسترا الفرق الموسيقية.. مجالات موسيقية مختلفة جمع بينها الموسيقار علي إسماعيل، في مزيج من الإبداع والعبقرية، ليستحق عن جدارة أن يحصل على لقب "بيتهوفن مصر".

عدة إنجازات أدخلها "بيتهوفن مصر" إلى مجال الموسيقى نرصدها في هذا التقرير من "شبابيك".

مدرسة "بيتهوفن مصر" الموسيقية

خلق "إسماعيل" مدرسة خاصة به في التلحين؛ كانت سببا في إضافة عدة تطورات إلى الموسيقى المصرية، وكان من أبرز ملامح تلك التطورات إدخاله "الهارموني" على الموسيقى الشرقية؛ حيث يصبح للحن الواحد عدة نغمات موسيقية متآلفة ومتكيفة معا تسمع في الوقت ذاته لتدعمه، كما هو معروف في الموسيقى الغربية، وذلك بعد أن كانت الألحان قبله عبارة عن جملة موسيقية واحدة تعزفها جميع الآلات.

وعلى يده، انتقلت الموسيقى المصرية من مرحلة "التخت" إلى مرحلة "الضبط" على النوتة مثلها مثل أي موسيقى عالمية، فصارت للموسيقى شخصية متميزة لديها مذاق ممتع يجمع بين الطرب الشرقي والتطور الغربي، وأصبحت موسيقى درامية تعبر عن الحدث بالزمن.

وفي التوزيع الموسيقي، سار "إسماعيل" على نهج الموسيقار "أندريا رايدر"، لتصبح الأغنية الواحدة تحتوي على عدة ألحان بداخل لحن واحد.

فن المونولوج

لحن "إسماعيل" أجمل مونولوجات شكوكو وثريا حلمي وسعاد وجدي وسعاد أحمد، وأشهر تلك المونولوجات "عيب اعمل معروف" الذي غنته "ثريا".

أغاني ثورة يوليو

بجانب "صلاح جاهين وزميليه في معهد الموسيقى؛ كمال الطويل وعبد الحليم حافظ"، كان "إسماعيل" هو رابع اسم حمل على عاتقه تجربة الغناء لثورة 23 يوليو التي آمن بأهدافها ومبادئها إيمانا تاما؛ ما ساعد على تأييد طبقات الشعب المختلفة لـ"جمال عبد الناصر"، وتخليدهم لشخصه، وتأريخ المرحلة الناصرية فيما بعد، وذلك من خلال توزيعه لألحان تلك الأغاني وقيادته للفرقة الموسيقية فوق خشبة المسرح، وبين هذه الأغاني: "صورة" و"المسؤولية" و"مطالب شعب". 

وهو صاحب التوزيع الموسيقي لأوبريت "الوطن الأكبر" الذي لحنه محمد عبد الوهاب من كلمات أحمد شفيق كامل، وغناه كل من حليم وصباح وفايدة كامل وشادية ووردة ونجاة الصغيرة وعبد الوهاب ذاته.

كما لحن "بيتهوفن مصر" ألحانه الخاصة لبعض الأغاني الثورية، ومنها تلحينه لقصيدة "دع سمائي" في معركة العدوان الثلاثي عام 1956، وهو أيضا صاحب فكرة أغنية "الفوازير" التي غناها حليم، والتي استعان فيها بمقاطع من خطب "عبد الناصر" السياسية، وبدوره يقوم "حليم" بالغناء من جانبه ردا عليها.

وبالرغم من انكسار حلم الثورة وإصابته بالإحباط عقب نكسة عام 1967 وهزيمة مصر أمام إسرائيل، إلا أنه لم يقفد الأمل في النصر مجددا، فاستعان بزوجته المونولوجيست والمغنية نبيلة قنديل لتكتب كلمات أغنية وطنية وفقا لرغبة المخرج يوسف شاهين في وضع أغنية وطنية من ألحان "إسماعيل" في نهاية فيلمه "العصفور" الذي عرض عام 1972، ويلحنها ويوزعها "إسماعيل"، لتكون النتيجة "رايحين شايلين في إيدنا سلاح".

ومن كلمات زوجته كذلك، لحن "إسماعيل" أغنية "أم البطل" التي كانت المطربة شريفة فاضل هي مصدر إلهامها بعد أن عانت فاجعة وفاة ابنها، لتقوم بغنائها كذلك، وتلى الأغنية نجاحا كبيرا.

الأغاني الشعبية 

ولحن "إسماعيل" كثير من الأغاني الشعبية النابعة من روح الفولكلور المصري، فمن ألحانه، غنت عايدة الشاعر "الطشت قالي" و"كايدة العزال" و"ليمونة"، لتصبح من أشهر أغاني الأفراح في تلك الفترة.

قيادة الأوركسترا

كانت عصا "إسماعيل" التي يستعين بها لقيادة الأوركسترا لها تأثير السحر على كل من عازفين الفرق الموسيقية والراقصات على ألحانه والجمهور كذلك؛ والذي كان من بينهم من يحجز صفوفا في الأماكن فقط لشاهد حركة "إسماعيل" أثناء قيادته للأوركسترا.

باستخدام عصاه، قاد الحالة الفنية والمزاجية للراقصة فريدة فهمي، نجمة فرقة رضا للفنون الشعبية، وجعلها تتنقل بين الدلع والرومانسية والفرح والشجن، والإيقاع البطئ والسريع، ليجعل الجمهور يبكي في الوقت الذي يريده فيه أن يبكي ويفرح متى يريد، ولذلك صرحت الفنانة سامية جمال بأن أصعب رقصة أدتها فى حياتها هي رقصتها في فيلم "زقاق المدق" الذي عرض عام 1963، لأن النقلات الموسيقية للرقصة التي وضعها "إسماعيل" صعبة ومجهدة وأرهقتها للغاية.

الموسيقى التصويرية

كما وضع "إسماعيل" الموسيقى التصويرية لحوالي 300 فيلم سينمائي مصري، بينهم أفلام: "عنتر بن شداد"، "يوم من عمري"، "السفيرة عزيزة"، "الشموع السوداء، "الأيدي الناعمة"، "معبودة الجماهير" "ثرثرة فوق النيل"، "هارب من الزواج"، "صغيرة على الحب"، "مراتي مدير عام"، "شفيقة القبطية"، "مفيش تفاهم"، "آه من حواء" "عروس النيل"، "زقاق المدق"، "القاهرة في الليل"، "الاختيار"، و"الأرض".

بجانب تأليفه للموسيقى التصويرية لعدة أعمال مسرحية، بينها: "النار والزيتون" و"قصة في الحي الغربي" و"افتح يا سمسم" و"الحرب والسلام".

فرقة رضا

عقب تكوين الأخوين علي ومحمود رضا فرقة رضا الموسيقية للفنون الشعبية في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، أصبح "بيتهوفن مصر" هو قائدها، ومؤلف موسيقى وموزع وملحن لكل الرقصات والتابلوهات الاستعراضية والفلكلورية، وطوّر كذلك من أسلوبه في التعامل مع الموسيقى الخاصة بالفرقة، لينتقل من مرحلة تأليف الموسيقى أولا ثم وضع "محمود رضا" للخطوات المناسبة لها إلى السماح لـ "رضا" بوضع الخطوات في المقام الأول، وتقديره لها باستخدام إيقاع معين يناسب فكرة نابعة من الحياة الشعبية يختارها "رضا" كذلك، ثم تأليف "بيتهوفن مصر" للموسيقى المناسبة لتلك الخطوات الراقصة. 

الثلاثي المرح

تجربة جديدة من حيث الشكل والمضمون غامر بها "إسماعيل" في مجال الموسيقى، لتكون النتيجة فرقة غنائية مصرية عرفت بـ"الثلاثي المرح"، بدأت في خمسينيات القرن العشرين، وقدم "إسماعيل" لها أغاني عديدة تتصف بالمرح وخفة الظل ومناسبة لجميع الاحتفالات والمناسبات، بينها  "أهو جه يا ولاد" و"وحوي يا وحوي" و"العتبة جزاز" و"حلاوة شمسنا"، واستقبل الجمهور الفرقة بإعجاب كبير، وظلت أغانيهم معروفة إلى وقتنا الحالي.

من فلسطين إلى برلين

كانت أغنيات "إسماعيل" الوطنية، سببا في دعوة مندوب منظمة فتح الفلسطينية إليه لزيارة معسكرات الفدائيين، لهدفين؛ أولهما التعرف على الرجال الذين تدب موسيقاه الحماس في نفوسهم، وثانيهما وضعه موسيقى النشيد الوطنى الفلسطيني؛ الأمر الذي جعل زياراته للجبهة تتكرر.

أما في برلين الشرقية، فبعد تقديم فريدة فهمي ومحمود رضا ومحمد العزبى وعلى إسماعيل وثلاثة من الموسيقيين رقصة من رقصاتهم أثناء مشاركة فرقة رضا فى الاحتفال بمرور 10 سنوات على افتتاح التليفزيون الوطنى لألمانيا الشرقية، اقترح الألمان على "إسماعيل" أن يضع لهم قطعة موسيقية خاصة بالتليفزيون الألمانى، فطلب أوركسترا كاملة للتسجيل، لأن معه ثلاثة موسيقيين فقط، فجاءوه الألمان بأعظم أوركسترا لديهم، بعازفين محترفين يستطيعون عزف النوتة الموسيقية بمجرد قراءتها، ما يطلق عليهم: "بريما فستو"، فألف "إسماعيل" قطعة موسيقية جديدة، وكتب النوتة الخاصة بها، وقاد الأوركتسرا وهو لا يعرف كلمة واحدة باللغة الألمانية.

لماذا لا يعرف كثير من الناس من هو "على إسماعيل"؟

وبالرغم من كل الإضافات التي أدخلها إلى مجال الموسيقى، بقت شهرة "بيتهوفن مصر" مقتصرة على فترة حياته فقط، لتقل تدريجيا بعد وفاته، ويبقى كثير من الأجيال المتتابعة لا تعرف من هو "علي إسماعيل" الذي يحمل شارع بالدقي اسمه.

يعود السبب الرئيسي لذلك إلى رفض "إسماعيل" ذاته في الظهور بداخل الأفلام السينمائية، لأنه كان يهرب من الأضواء والشهرة، بحسب التصريحات الإعلامية للفنانة فريدة فهمي، فلم يعرف الجمهور ملامحه ولم يبق في ذاكرتهم بخلاف بعض الملحنين وكتاب الأغاني الذين ظهروا في أفلام سينمائية قليلة كمحمد الموجي وصلاح جاهين.

وفي تصريحات لـ"شبابيك"، أرجع الشاعر خليل عز الدين ذلك إلى عدة أسباب، الأول يتعلق باتخاذ الأغاني الوطنية ذات الألحان الحماسية شكل أكثر هدوءا مع مرور الوقت، خاصة بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، والتي طالبت إسرائيل فيها بتغيير نشيد السلام الوطني المصري "والله زمان يا سلاحي" من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل وتوزيع علي إسماعيل، والذي كان قد اعتمد نشيدا للسلام الوطني عام 1960، بعد أن نال شعبية كبيرة حين غنته كوكب الشرق أم كلثوم عام 1956 في فترة العدوان الثلاثي على مصر. 

وتغير بالفعل نشيد السلام الوطني عام 1979 ليصبح "بلادي.. بلادي" من كلمات الشيخ يونس القاضي وألحان سيد درويش، وأعاد توزيعه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.

أما السبب الثاني، فهو اندثار فن المونولوج عبر السنوات، خاصة بعد وفاة نجم الكوميديا الفنان إسماعيل يس عام 1972، وتقدم شكوكو في السن إلى وفاته عام 1985، وهو الفن الذي أضاف إليه "إسماعيل" الكثير.

وثالث تلك الأسباب هو عدم اهتمام كثير من جمهور السينما بالموسيقى التصويرية للأفلام المصرية، والتي كان لـ"إسماعيل" نصيب الأسد منها.

ويرجع "عز الدين" السبب الرابع إلى ندرة الأغاني العاطفية التي لحنها "إسماعيل" أو قام بتوزيعها، وهي التي ترتبط بوجدان الناس العادية بشكل أكثر من غيرها. أما السبب الأخير في رأيه، فهو اهتمام جمهور فرقة رضا بالاستعراضات الراقصة أكثر من الموسيقى الموضوعة لها، بجانب فقدان الفرقة الدعم والاهتمام الإعلامي برحيل الأب الروحي لها "إسماعيل"، وبوفاة الرئيس جمال عبد الناصر كذلك.

وقال الملحن أيمن حلمي لـ"شبابيك" إنه يرى أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء القدر القليل من الشهرة الذي جعل "بيتهوفن مصر" مظلوما إعلاميا وجماهيريا حاليا؛ أولهم هو أن التوزيع الموسيقي للأغاني يأتي في المرتبة الرابعة في دائرة أولويات اهتمام الناس بالأغاني بعد المطرب ثم الملحن ثم كاتب كلمات الأغنية، بينما ثاني تلك الأسباب هو عمل "إسماعيل" ذاته مع نجوم كبار كـ"موزع موسيقي" فقط، وليس كـ"ملحن"، فلم يأخذ من شهرة هؤلاء المطربين مثل غيره من الأسماء التي ركزت على مجال التلحين فقط، ونالت شهرة كبيرة بدورها، وبينهم كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي.

أما السبب الثالث، فيرجعه "حلمي" إلى عدم اهتمام أعضاء فرقة رضا بالعمل كـ"أفراد" بقدر اهتمامهم بالعمل كـ"فرقة"، فلولا بعض الأفلام السينمائية التي ظهروا بها، لم تكن الأجيال القادمة لتعرف عنهم شيئا.



0
0
0

شارك المقال


صحفية مهتمة بمجال الفنون والثقافة.. تهوى الكتابة عن السينما والأفلام، بجانب كتابة سيناريوهات أفلام واسكتشات وقصص قصيرة.