تصوير: حسين السنوسي

كانت تخطو خطواتها إلى عالم الكبار بآمال كبيرة مثلهم.. فتاة صغيرة سحرها عالم النجوم والفلك بأضواءه الباهرة.. قررت «إيمان عاطف» التي أنهت للتو المرحلة الثانوية أن تلتحق بكلية العلوم قسم الفيزياء، سعيا وراء شغفها.

ولم تكمل عاملين كاملين حتى أخذتها الجامعة من شغفها القديم إلى عوالم أخرى أكثر سحرا.. صعوبة الدراسة جعلتها تهرب إلى عالم خاص بها، تمتزج فيه الروايات بالفن ويتجسدان معا في موهبة لصناعة إكسسوارات مستوحاة من الفن الأوروبي الكلاسيكي، وتحمل اسم «أورفليس». مدينة الحب التي جسدها جبران خليل جبران في كتابه «النبي».

تحكي «إيمان» لـ«شبابيك»: «صعوبة المواد في كلية العلوم، وتعنت أساتذة الجامعة، والوقت الكتير اللي بيرهقني في المذاكرة، كل ده خلاني أقتنع أن الجامعة بنظامها التعليمي الحالي مش هتساعدني على تحقيق حلمي».

هنا تقرر أن تتخذ مسارا آخر، لم تكن تعرف بالضبط ماذا تريد. كل ما تعرفه أن عليها البحث والتجريب حتى تكتشف نفسها.. «قعدت وقت طويل أجرب حجات ملهاش علاقة ببعض، أتعلم شوية كتابة وبعدين فوتوشوب وأحيانا إلكترونيات».
بالصدفة البحتة اكتشفت حبها للإكسسوارات، صنعت لنفسها ذات يوم «إنسيال» من حبات «اللؤلؤ» وأشرطة «الساتان» الملقاه في الأدراج بإهمال منذ زمن بعيد.

توالى إعجاب صديقاتها بهذه الإكسسوارات البدائية البسيطة، وتابعت هي المزيد من التجارب وابتكار الأشكال والتصميمات حتى سحرها عالم الإكسسوارات للأبد، وقررت أن تضع عليه بصمتها الخاصة.

«آلاء».. رسمت بالبكتيريا وابتكرت مستحضرات تجميل طبيعية

تعلم الإكسسوارت بدون معلم

عامين آخرين قضتهما «إيمان» في التعليم، لكنه هذه المرة لم يكن تعليما جامعيا جافا يرهقها ويحد من موهبتها؛ بل كان تعليما مرحا يطلق لموهبتها العنان.. «كنت بذاكر تصميم الإكسسوارات بمعنى الكلمة، بتعلم من يوتيوب وبقرأ مقالات، وأتفرج على كل التصميمات العالمية والبرندات الأصلية.. وأتعلم من التجريب والخطأ؛ في الأول كنت بحاول أقلدها وأقدم تصميمات مشابهة بأسعار معقولة، ومرة في مرة أصبح عندي ستايل وطابع خاص بي».

لم تعد «إيمان» اليوم مجبرة على تعلم شيء لا تريده؛ بعد أن وجدت في التعليم الحر مساحة واسعة من الحرية؛ تتخيل التصميم الذي تريده والمواد التي ستعمل عليها، وتبدأ رحلة البحث عن المواد التعليمية التي تساعدها على تنفيذ هذه التصميمات.

 تقول «إيمان» لـ«شبابيك»: «التعليم الحر هو سبب أساسي للمستوى اللي وصلت له دلوقتي؛ ولما قررت أطور من نفسي وأبدأ في الصناعات الجلدية، أخذت كورس جلد وبدأت في تصميم أول حقيبة جلدية من الصفر».

عالم أورفليس

تعلمت «إيمان» من خلال الإنترنت والتجربة والخطأ، وحان وقت التنفيذ.. إكسسوارات بسيطة تبيعها للأصدقاء ثم محاولة لتقليد التصميمات العالمية، وأخيرا ابتكار تصميمات خاصة تحمل اسم مدينة الحب «أورفليس».               

رسمت لنفسها في «أورفليس»عالما كلاسيكيا ساحرا، تتحول فيه اللوحات الفنية، والزخارف الصينية، والإسلامية؛ لتتجسد في «دلايات» وخواتم وحلقان.

تحكي مؤسسة «أورفليس»: «كنت في البداية بقلد التصميمات العالمية بأسعار معقولة مناسبة للناس؛ لكن كان لازم ابتكر أفكار مختلفة، عشان أقدر أثبت نفسي ويبقى لي براند خاص بي».

أدركت مبكرا أن البحث عن التميز هو «ألف باء» النجاح في أي مشروع صغير.. «كنت دايما ببحث وأدور إيه اللي ناقص في السوق والبنات محتاجة إيه ونفسها في إيه ومش موجود عند مصممي الإكسسوارات التانيين».

مخاطر في الطريق

رحلة طويلة من المخاطرة بدأتها «إيمان» قبل وبعد ميلاد «أورفليس».. كانت طالبة في الجامعة تغامر ببيع إكسسوارات بسيطة وبإمكانيات مادية قليلة تدخرها من مصروفها الشخصي.. ثم قررت المخاطرة أكثر وتنفيذ تصميمات كلاسيكية مستوحاة من العصر الفيكتوري، لم يعتَد عليها السوق المصري ولا تعرف إن كانت ستجد إقبالا أم لا.

أصبحت هذه التصميمات الحالمة سببا في شهرة «أورفليس» بين محافظات مصر المختلفة وخارج مصر أيضا.. كان لهذه الشهرة ثمنا يجب أن تدفعه «إيمان» كأي صاحبة مشروع ناجح؛ وهو: سرقة أفكارها.

تحكي لـ«شبابيك»: «سرقة الأفكار للأسف هي شيء شائع جدا في مصر. كل ما أصمم «كوليكشن» جديد أتفاجئ أنه اتسرق. في الآخر ده شيء بعتبره نجاح لي وقلة إبداع عند اللي بيسرق أفكاري، وبواجهه بأني دايما أكون سبقاهم بخطوة وبابتكار تصميمات جديدة».

لاتزال عقبة أخرى تواجه «إيمان» وهي ارتفاع سعر الدولار، وارتفاع أسعار الخامات المستورة وعدم توافرها في كثير من الأحيان.

ترفض رغم كل هذا أن ترفع السعر على عملائها..«وضحت للناس اللي بتتعامل معايا أني هتحمل جزء من تكلفة زيادة أسعار الخامات ومش هزود في أسعار الإكسسوارات إلا جزء بسيط، هامش الربح هيقل، وهواجه ده بأني أزود الإنتاجية».. لا تريد «إيمان» أن تغامر بخسارة عملائها الذين وثقوا في «أورفليس» بسبب زيادة سعر الدولار.

هايدي سهدي.. حكاية فرفورة لفت أوروبا وآسيا بالحجاب

أجنحة أورفليس

لم تعد أورفليس مدينة خيالية للحب، صارت الآن واقعا مكتمل الأركان لمشروع صغير تحلم «إيمان» أن تحوله لبراند عالمي للإكسسوارات.

ولم يعد حلمها هذا بعيد المنال بعد أن جعلت مواقع التواصل الاجتماعي لأورفليس أجنحة حلقت بها خارج مصر.. تحكي إيمان: «بتجيلي أوردرات من تركيا ومن إنجلترا، ومن كل محافظات مصر؛ عن طريق صفحة أورفليس بفيس بوك».

تهتم بكل تفاصيل صفحتها الصغيرة التي بالكاد تتعدى الثمانين ألف متابع.. ترد على العملاء بنفسها، تسلمهم الطلبات بنفسها لتبني علاقة قوية بينها وبينهم وتضمن ولائهم لأورفلس.. تقول لـ«شبابيك»: «لما بيشوفوا طريقة ردي عليهم على الفيس، بيصروا أني أسلمهم الطلبات بنفسي عشان يتعرفوا عليا، وده بالنسبة لي جانب مهم من جوانب التسويق».

لم تمتلك «إيمان» رأس مال أو مقر يساعدها على تنفيذ مشروعها.. كل ما كانت تملكه في البداية هو «خيط ستان» وحبات «لؤلؤ» لا يتجاوز سعرها الثلاث جنيها، وبعض الصديقات التي تبيع لهن منتجاتها البسيطة.

والآن تنجح في استغلالها كل الإمكانيات المتاحة بأقل التكاليف، تسويق مجاني على السوشيال ميديا، وفريق عمل كونته من أصدقائها.. تختتم حديثها لـ«شبابيك»: «الفكرة لما بتكون مميزة بتشد ليها كل الناس المؤمنة بيها واللي مستعدين يساعدوك».

حسن خالد.. شاب أعطى للفن روحا و«خشبة»

 




0
2
0
0
0
0
0

شارك المقال


محررة صحفية مصرية مهتمة بشؤون التعليم واللغات وريادة الأعمال