سِفلة النَّاس، أَرْذال القوم وغوغاؤهم.. هذ ما تعنيه كلمة «رعاع».. وعبر التاريخ استخدمت كلمة «رعاع» استخدامات مختلفة، سياسية ودينية واجتماعية طبقية؛ إما للهجوم والتحقير من الشأن في الأغلب أو لوصف طبقة من الناس اكتسبت مميزات؛ فهناك دول منحت بالدستور «الرعاع» مقاليد الحكم.

والإمام «علي بن أبي طالب» صنف الناس لثلاثة أنواع «عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق».. وقصد الإمام «علي» بالرعاع كل من لم يحترم عقله ويتوقف دقائق قليلة للتفكير في الذين يتبعهم.

متى حكم الرعاع؟

تشير أقدم نظرية في علم السياسة والاجتماع النظرية الدورانية، والتي وضعت عن طريق المؤرخ والسياسي اليوناني القديم «بوليبيوس» إلى أن هناك ثلاثة نظم خبيثة للحكم هي «الطغيان، الأوليغاركية، وحكومة الدهماء»، وتشير الأخيرة إلى حكم الرعاع.  

ووفقا للنظرية يمكن أن تتحول الديمقراطية نظام الحكم الحميد، إلى حكم الدهماء والغوغاء، وهو نظام تنتج عنه الفوضى، ثم يخرج من بينهم شخص يطالب بسلطة مطلقة بما أنه هو المنقذ الوحيد بعدما تعم الفوضى في ظل حكم الغوغاء، وهو ما حدث في اليونان ذاتها منشأ النظرية.

حدث ذلك حين منحت اليونان القديمة الحكم لعامة الشعب أو الرعاع كما أطلقوا عليهم.  وتعتبر اليونان من أول الحضارات التي منحت الحكم لعامة الشعب؛ بعد أن ثار الناس ضد الأرستقراطيين الذين تولوا مقاليد الحكم، بعدما  ساءت الأمور في فترة من الفترات، وتم تشكيل حكومة الأقلية بعدها لكنها فشلت أيضا، ثم تأسيس نظام  التيموقراطي والمكون  من أصحاب الأملاك لكنه أثبت فشله أيضا؛ لينتهي المطاف بتشكيل ما يطلق عليه بالحكم الأخلوقراطي، أو حكومة الرعاع في إسبرطة وتعني حكم الناس لأنفسهم.

لكن الفوضى عمت جراء هذا وهو ما أثبت فشلها القاطع، حيث كان من يصل لمقر البرلمان أولا هو من يساهم في تشكيل الحكومة، إلى أن تم وضع النظام الديمقراطي الذي أثبت فاعليته حتى الآن.

«كانت تلك المرة الأولى في التاريخ التي يتولى فيها الرعاع الحكم؛ الفوضى عمت وأصبح من يصل إلى مقر البرلمان أولا هو من يشكل الحكومة وكان تعداد اليونان حينها 250 ألف نسمة، وهو ما سبب في فوضى عارمة وعهر سياسي، ومن حينها أخذت الرعاع مفهوم الفوضى والنقصان»  كما ذكر يوسف بناش في كتابه «أغبياء في السياسة».

الهمج النبلاء

وجدت في السودان فى ضواحى منطقة الروصيرص جنوب النيل الأزرق، قبيلة «الهمج»، وهم عنصر محلي نتج عن اختلاط النوبة بالعرب من قبيلة العوضية الجعليين، وكان لهم دورهم في مملكة «الفونج» في القرن الخامس عشر الميلادي، ففي الوقت الذي كان الفونج يتولون القيادة كان الهمج هم الوزراء في منطقة «الفونج» وأولهم الشيخ محمد أبوالكليك كبير الهمج.

ثم أصبحت لهم عمودية بقيادة العمدة أبوشاتال منذ 1926 ثم انقسمت إلى عموديتين حاليا عمودية الهمج شرقا باللعوتة جنوب الروصيرص، بقيادة أحمد أبوشوتال ثم عمودية الهمج بقيادة عمر رمضان في أبوقمي إلى الجنوب من الدمازين.

استخدام الرعاع في التحقير 

  • رعاع في الغرب

في كتابه «حضارة العرب»، عبّر جوستاف لوبون عن سياسة الأوربيين تجاه الآخرين مشيرا إلى مقولتهم «لا يجوز أن يمشي على الأرض فريق من الهمج» مشيرا إلى أنه ما اتبعوه في إبادتهم لسكان أمريكا الأصليين إبان غزوهم للقارة الأمريكية.. الغرب كان يرى من سواهم من الشعوب مجرد رعاع.

وفي العصر الحديث، وفي أكتوبر 2010 أُجبر وزير الشؤون البرلمانية البريطاني، أندرو ميتشل على تقديم استقالته من منصبه، بعدما فشل في تفنيد اتهامات بأنه سب الشرطة، ووصفها بـ«الرعاع»، أثناء جدال دار مع بعض من أفراد الشرطة خارج مقر رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون.

واعترف «ميتشل» أنه أدلى بتعليقات «غير مقبولة» بعدما طُلب منه الترجل عن دراجته، أثناء مغادرته المقر، في شهر سبتمبر من نفس العام.

وفي فبراير الماضي أيضا، وصف النائب الهولندي اليميني المتطرف غيرت فليدرز، المهاجرين المغاربة إلى هولندا بـ«الرعاع»، مضيفا أنهم يجعلون الطرقات أخطر، في خضم حملته الانتخابية للإنتخابات التشريعية التي تمت في مارس الماضي بهولندا.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأثناء حملته الانتخابية في يونيو من العام الماضي، وصف الذين هاجموا مؤيدي حملته في سان خوسيه بكاليفورنيا أثناء إلقائه لخطبة هناك، بالرعاع.

وقال في تدوينة له تعليقا على الحادث، «أمسية رائعة في سان خوسيه باستثناء الرعاع. أنصاري أقوى بكثير لو أرادوا، لكنهم لحسن الحظ ليسوا عدائيين».

  • الرعاع في الكذب على الرسول

عُرف عن غياث بن إبراهيم في العصر العباسي، أنه كان كاذبا واضعا للأحايث، وذات يوم مر عليه رجلا وهو يأكل في السوق، فقال له: ألا تستحي من الناس، فرد عليه «أين هم الناس؟»

قال: هؤلاء الذين اجتمعوا لك..

قال: تعني هؤلاء! هؤلاء ليسوا ناسا.. هؤلاء بقر وإذا أردت أن أثبت لك فتعالً معي.. ثم ذهبا فجلس غياث في مجلسه وبدأ يحدث الناس عن الجنة ووصفها وهم يستمعون منصتين فلما رأى تفاعلهم معه اخترع حديثا من عقله وقال لهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من استطاع منكم أن يلمس أرنبة أنفه بلسانه دخل الجنة.

فبدأ الناس يخرجون ألسنتهم ويحاولون لمس أرنبة الأنف، فالتفت غياث إلى صاحبه وقال له : ألم أقل لك إنهم بقر!

  • ملك الأردن وعبدالناصر و«رعاع السوريين»

في زيارة الرئيس جمال عبدالناصر لحماه عام 1960 من أجل إتمام مشروع الوحدة العربية، وإلقائه خطبة أمام السوريين، هاجمه الملك حسين ملك الأردن، قائلا «إن عبدالناصر فضل الكلام للغوغاء والرعاع على الكلام في المنبر الدولي»، فرد عليه عبدالناصر في خطبته «أي معنى هذا أن هذا الشعب الذي أراه هو الغوغاء وهو الرعاع، وهذا هو مفهوم الملك الأجير؛ لأنه ينظر إلى الشعب على أنه مجموعة من الغوغاء ومجموعة من الرعاع. أما نحن فإننا ننظر إلى الشعب على أننا قطعة منه، فإذا كان الشعب هو الغوغاء والرعاع فإن رئيس الجمهورية من بين هؤلاء الغوغاء ومن بين هؤلاء الرعاع، هذا هو مفهومنا للشعب».

  • السادات والرعاع

حينما خرج الناس اعتراضا على زيادة الأسعار، فيما عرف بانتفاضة الخبز، وصف أيضا الرئيس أنور السادات في خطاب له من خرجوا في التظاهرات بـ«الرعاع والحرامية»، واتهمهم بمحاولة نشر الفوضى، وذلك في خطابه بمجلس الأمة المصري.

  • أحمدي نجاد والصهاينة

في اجتماعات الدورة ‏67‏ للجمعية العامة للأمم المتحدة بحضور ممثلين عن ‏120‏ دولة، حيث اتهم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إسرائيل بتوجيه تهديدات مستمرة بتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران.

وقال نجاد إن إيران تحت تهديد مستمر من«الصهاينة الهمج»، مشيرا إلي أن مثل هذه التهديدات تهدف دائما إلى إجبار الدول للخضوع.‏

  • سيد طنطاوي ورعاع العراق

في عام 2003 وصف شيخ الأزهر الأسبق، محمد سيد طنطاوي، نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.. بالرعاع، في خطبته بافتتاح المؤتمر الخامس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مهاجما وزير الإعلام العراقي الأسبق محمد سعيد الصحاف الذي اشتهر بتصريحاته ضد القوات الأمريكية والبريطانية والذي اختفى في نفس اليوم، وقال عنه طنطاوي «هل هذه أمة إسلامية؟ أنها أمة رعاع».




0
0
1
0
0
0
0

شارك المقال


صحفي مصري مهتم بالأوضاع الاجتماعية والإنسانية