بٌهر العرب بعد فتحهم لمصر بآثارها الفريدة، وراحوا ينسجون حولها الحكايات والأساطير المختلفة، والتي تصور في جزء منها تاريخ هذه البنايات ووظيفتها والحكايات المرتبطة بها.

أبو الهول كان أحد الآثار التي لفتت أنظار المؤرخين العرب بسكونه وصمته المهيب، فتحدثوا عنه في كتبهم مستندين إلى ما حفظه الوجدان الشعبي من قصص ترتبط بهذا التمثال.

بعد الفتح العربي كان أبو الهول صامداً وصامتاً أمام زحف الرمال، التي طفقت شيئاً فشيئاً تغرقه إلا رأسه التي ظلت فوق سطح الأرض، وأصبح فريسة للعوامل الجوية والتعصب الديني الذي كان يسعى لطمسه.

ومع الإهمال والإعراض الذي كان فيه، ظل أبو الهول يمارس تأثيره الخلاب على عقول الناظرين، وصار اسمه تعبيراً شائعاً يرادف اللغز، حتى اعتبره كثير من الناس أنه يستحق الإعجاب والتقدير أكثر من الأهرام، إذ أنه يروع الإنسان بسكونه الدائم.

طلسم للريح

من هذا المنطلق أفاضت المصادر التاريخية العربية في الحديث عن أبو الهول ووظيفته وأسباب بنائه وأحاطته بالخرافات والأساطير. ذكر القاسم بن يوسف التجيبي السبتي في كتابه «مستفاد الرحلة والاغتراب» أن بمقربة الأهرام الثلاثة «رأس صورة من حجر صلد هائل المنظر، على صورة رأس الإنسان، غير أنه غاية في الكبر، ويدعوه أهل مصر بأبي الهول».

وبحسب ما ذكره «السبتي» فإن المصريين يزعمون أنه طلسم (شيء مرتبط بالسحر) للريح، وأنه لو ذهب لأتلفت الريح مصر.

مانع الرمال

رواية زكريا بن محمد بن محمود القزويني كانت مختلفة فيما يتعلق بوظيفة أبو الهول. ذكر في كتابه «آثار البلاد وأخبار العباد» أن التمثال «طلسم للرمل لئلا يغلب على منطقة الجيزة، فالرمال هناك كثيفة شمالية متكاثفة، فإذا انتهت إليه لا تتعداه».

ولم يفت «القزويني» وصف أبو الهول والغزل فيه، وذكر «المرتفع من الرمال رأسه وكتفاه، وهو عظيم جداً وصورته مليحة كأن الصانع فرغ منه، وهو مصبوغ بالحمرة».

وتحت عنوان «ذكر الصنم الذي يقال له أبو الهول» يقول تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في خططه: «هذا الصنم عُرف أولاً ببلهيب، وتقول أهل مصر عنه اليوم – كان ذلك سنة 780هـ تقريباً- أبو الهول. ويقال إن أبا الهول طلسم الرمل يمنعه عن النيل».

الإخبار عن الأعداء

روايات أخرى سلكت مسلكاً مخالفاً. ذكر الرحالة أوليا جلبي في كتابه «سياحتنامه مصر» أن أبا الهول كان في الزمن الماضي يكلم القادمين والرائحين من الزوار، وقد جُعل له طلسم ينبئ عن هجوم الأعداء على مصر، أو ظهور قحط أو غلاء ونزول المطر أو امتناعها، ومقدار فيضان النيل أو عدم فيضانه أو موت أحد أو حياته، أو بالاختصار كان يخبر عن المغيبات الخمسة، على حد قوله.

والواضح أن روايات المؤرخين حول أبي الهول كانت تسير في خط صاعد، ما أدى إلى تراكم رصيد ضخم من الأساطير والخرافات، في محاولة لفك رموزه والوقوف على أسراره.

وتكشف هذه الكتابات عن النظرة الإيجابية إلى آثار القدماء المصريين، التي رآها الوجدان الشعبي أنها تقوم بدور مهم في حياة الناس، وأن لكل منها دوراً ووظيفة في الحفاظ على خيرات مصر وأمن وسلامة أهلها.

تهشيم الأنف

 

أنف أبو الهول لفتت أنظار المؤرخين العرب فراحوا ينسجون الحكايات المختلفة حول تهشمها. ذكر المقريزي أن أحد الأشخاص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر وكان يتبع طريقة صوفية خانقاه سعيد السعداء (الخانقاه مكان يجتمع فيه الصوفية للانقطاع للعبادة).

كان «صائم الدهر» يقول بحرمة صور الحيوانات. وفي سنة 781 هجرياً تصدى هذا الصوفي لتهشيم فم أبو الهول وأنفه، وأقدم على هذا العمل دون أن يحصل على إذن بذلك من حاكم ذلك الوقت.

وبحسب ما ذكره المقريزي: «بينما صائم الدهر يحاول ذلك هبت ريح عاتية بحكمة الله على مدينة الجيزة، فحالت دون وصول البرسيم والغلال وسائر الأرزاق إلى القاهرة، حيث غرقت في الرمال، فقبض الحاكم على هذا الصوفي وقطعه إرباً إرباً، وأمر بدفنه بجانب أبي الهول، ولا يزال زوار أبي الهول يرجمون قبر ذلك الصوفي المنحرف».

النبي موسى

ومن بوابات الأسطورة دخلت بعض الروايات لتفسير تشويه وجه أبي الهول. وذكر الرحالة أوليا جلبي في كتابه «سياحتنامه مصر» أن النبي موسى (عليه السلام) ذهب إليه - أي إلى أبي الهول - وقال له «إنك قادر على التحدث، فيجب عليك أن تؤمن بي أنا رسول الله الحق، فقال له أبو الهول إني أؤمن بإدريس ولا أؤمن بغيره، فغضب موسى وكان عاتياً، وضرب أبا الهول بعصاه وأحدث به شقوق، وخدش فمه وأنفه وقال: «اسكت يا ملعون»، وانصرف، ومن ذلك اليوم صمت أبو الهول، ولم يعد يتكلم، ولا تزال آثار عمل موسى باقية على رأسه، ولم تزل عيناه مخدوشتين».




المصدر

كتب «مصر في الأساطير العربية». الدكتور عمرو عبد العزيز منير.

0
0
0
0
0
0
0