قبل عرضه في موسم عيد الأضحى 2017، بلغ الترقب مداه عند الجمهور بعد مشاهدة إعلان فيلم «الكنز»، ليس فقط لكون الفيلم يجمع كوكبة مميزة من النجوم، وليس لحضور محمد سعد أخيرًا في دور جاد بعيدًا عن الهزل، ولا مع كتابة اسم شريف عرفة كمخرج، فالفيلم حتى بعد مشاهدته يظل حاضرًا في ذهن المشاهد لجمعه بين التاريخ والأسطورة في صورة جديدة على السينما المصرية.

التاريخ والأسطورة

يتنقل الفيلم بين عصور مختلفة شملت الفراعنة، والعثمانيين، والدولة الحديثة، فنرى حتشبسوت، وعلي الزيبق، والملك فاروق، مع لمسات قتالية ورومانسية وغنائية راقت لكافة الأذواق. إعلان الفيلم وحده تخطى 1.5 مليون مشاهدة حتى الآن على يوتيوب.

وتبدت الحقيقة مع أولى لحظات العرض بجملة تقول «هذا العمل مستوحى من التاريخ والأسطورة ولا يلتزم بهما»، فمتى بدأ النوع الفريد الذي يجمع بين روعة التاريخ وجاذبية الجمهور؟

بين شفرة دافنشي وعقيدة القتلة

نتيجة بحث الصور عن دان براون شيفرة دافنشي

لمع اسم الأديب الأمريكي دان براون، بشدة بعد كتابة روايته «شفرة دافنشي» في 2003. الرواية أثارت جدلاً عظيمًا لخوضها في تاريخ المسيحية، غير أنها فتحت الباب على مصراعيه لهذا النوع الأدبي الذي يخلط المغامرة بالرموز التاريخية والفلسفية في قالب روائي عميق الهدف، يحوي «دافنشي» و«نيوتن» بكل سحرهما في تتابع فريد، يجذب المشاهدين للتاريخ الذي اعتادوه مملاً في المدارس.

 

نتيجة بحث الصور عن ‪assassin's creed 1 xbox 360‬‏

في 2007 أضاف الخيال العلمي مزيدًا من التألق لهذه الفكرة؛ وحدث هذا في عالم ألعاب الكمبيوتر مع لعبة «عقيدة القتلة» Assassins Creed، ففيها لا يكتفي البطل بتتبع رموز التاريخ وحكاياته المشوقة عبر المتاحف والآثار، لكنه يسافر لذكريات أجداده عبر جهاز خاص يتتبع الماضي المسجل في حمضه النووي، فزار في الجزء الأول القدس وقت الحروب الصليبية، وتابع رحلاته في روما وأمريكا ليقابل  نيكولو مكيافيلي، وأبراهام لينكولن وغيرهما من الشخصيات التاريخية.

نتيجة بحث الصور عن ‪bodiam castle‬‏

حققت اللعبة نجاحًا عظيمًا، وتم تقديم الفكرة بصور شتى في السينما، منها فيلم يحكي قصة اللعبة نفسها مؤخرًا، إلى جانب الفيلم الملهم «Cloud Atlas» الذي دار في 6 عصور مختلفة، ليرينا سحر التاريخ بأنواعه رغم عدم تحقيقه العائد المالي المناسب. 

أما في مصر فقد شاهدنا شيئًا شبيهًا في فيلم «الأصليين» مؤخرًا لاستلهامه التاريخ الفرعوني في حبكته المعاصرة، وأخيرًا جاء «الكنز» ساعيًا لأكثر من عصر، فكيف صنع هذا بإمكانيات مصرية خالصة؟

برديات وسير وأفلام تسجيلية

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/v/t31.0-0/p180x540/21318803_335391516872423_4964245795024619124_o.png?oh=dc1330e53f1268678f6635730d175f41&oe=5A13BA25

يوصي «بِشر باشا» أن يتعلم ابنه «حسن» علوم المصريات في أوروبا، فهذه جذوره وتاريخ اجداده، وبعد موت «بِشر» بسنوات يعود «حسن» لمصر في السبيعينات ليبيع بيت الأسرة بالأقصر، لكنه يجد تركة من الماضي خلفها أبوه، يأمره أن يقرأ برديات حتشبسوت وسيرة علي الزيبق،ويشاهد تسجيلات أبوه نفسه، «بِشر باشا» ذو المنصب الرفيع بالشرطة.

ينتقل «حسن» بين المواد التاريخية الثلاث ليعرف المزيد عن أبطالها في كل حقبة، وفي الوقت نفسه يحاول استكشاف الكنز الذي وعده «بِشر باشا» أنه سيجده في ثنايا الحكايات. لن يعدم المشاهد في الغالب لهفته لأسرار كل عصر وخاصة السر الأكبر في الكنز، فهل سارت القصص على النهج المشوق بلا ملل أو أخطاء؟

حب وسلطة ودين

https://scontent-cai1-1.xx.fbcdn.net/v/t31.0-0/p180x540/21457424_335706286840946_6848976330543164896_o.png?oh=3d7b9b1f9e2f522852bdcb15ee04c929&oe=5A1382E6

لم يبخل صناع الفيلم بتسليط الضوء على كل حكمة يقصدها السيناريو، فالأبطال يتلون دروس الحياة بشكل تأملي بلا فجاجة تؤذي المشاهد، وكأنها مقصودة كي يربط الجمهور سريعًا بين القصص الثلاث في كل عصر؛ بين رماح قدماء المصريين، وسهام العثمانيين، ورصاص بوليس الملك. تناول الفيلم قضايا السلطة وارتباطها بالدين، وكيف يخدم كل منهما الآخر ليصل الملك والكاهن لأرفع الدرجات ويضيع الشعب بين أقدام الطغاة.

قضية أخرى مهمة ظهرت بوضوح في الإعلان بصوت نسمة محجوب، الحب الصعب إلى درجة الاستحالة، وهل يكمل الحاكم والمأمور والطيب حبًا عسيرًا لا يناسب أيًا منهم؟! ربما لم نعرف هذا يقينًا لكن الفيلم عبر عنه بدرجة مناسبة من الوضوح والسهولة.

يستلهم التاريخ والأسطورة

Image may contain: 9 people, people smiling, text

بخلاف الكتابة وخيال المؤلف، كيف جاء إخراج الفيلم بكل تقنيات السينما المصرية المحدودة نسبة لتقنيات هوليود؟ مثل الأزياء في العصور المختلفة، والقتال الملحمي بطريقة كل حقبة، وإقناع المشاهد بصحة كل ما يراه، هكذا يتسائل كل مشاهد مدقق وبالأخص كل ناقد يجيد عمله.

الواقع أن المؤلف عبد الرحيم كمال كرر فلسفته ذاتها التي استعملها في عمله التاريخي «شيخ العرب همام»، حين أعلن أنه لا يلتزم بالحقيقة كاملة، لكنه يحتفظ بالانطباع العام من فكر وحركة ومؤثرات.

لذا فحتمًا بالمبالغة في التركيز على الأزياء والتفاصيل، سنجد الكثير من الأخطاء، كما رأت الناقدة ماجدة خير الله، وأعلنت بوضوح خيبة أملها أكثر من مرة في التطابق التاريخي، فقالت عن عصر حتشبسوت «ملابسهم كانت رديئة ومكياجهم مضحك، أما المشهد فكأنهم بعض مهرجي السيرك يقفون في حلقة نصف دائرية دون أي إبداع في الإخراج».

أما رأيها في باقي الفيلم فلم يختلف كثيرًا، كما صرحت أنها لا تصدق أن الفيلم من إخراج شريف عرفة صاحب «ولاد العم» و«الجزيرة» بجزئيه وغيرها من «الروائع».

عودة «سعد» وصوت «محجوب»

نتيجة بحث الصور عن محمد سعد الكنز

اجتمع كثير من النقاد على جودة دور محمد سعد، وكأنه «الكنز» الحقيقي للفيلم، فالناقدة ماجدة خير الله نفسها صرحت أنه «حسنة الفيلم» الذي أنقذ كل عيوب التصوير، والناقد طارق الشناوي وصفه بالعازف الماهر الذي فاز أخيرًا في الرهان بعد أفلامه ذات الكوميديا النمطية التي جعلته طاردًا للجمهور، وأكد أن اختيارات «سعد» بعد هذا الفيلم حتمًا ستكون صعبة.

أما نسمة محجوب فقد نالت مديح ماجدة خير الله وتصفيق الجمهور في السينما مع كل أغنية منها، ووصفتها بخير مثال لشكل أمينة خليل التي أدت دورها.

كوميديا وأكشن

نتيجة بحث الصور عن الكنز فيلم

رغم الفجوة العظيمة بين عصرنا وباقي عصور الفيلم، لا يخلو «الكنز» من كوميديا وجدها البعض راقية في شتى أجزائه، مع استغلال ناجح لعناصر كل حقبة، فالمونولوج الكوميدي حاضر بشدة في عهد الملكية، وراوي السير على الربابة يحكي عن علي الزيبق ابن راس الغول، حتى الفراعنة كان لهم نصيبهم، أما الحركة ومشاهد الأكشن فقد حاولت محاكاة الأفلام الغربية بشق الأنفس.

انتصر الناقد طارق الشناوي للفيلم كما حدث مع «الأصليين»، فوصفه بأفضل أفلام العيد لتجديده دماء السينما المصرية وتحريه الرقي التاريخي، رغم المنافسة الصعبة مع «الخلية» لأحمد عز، ليصير الكنز ثاني أفلام العيد بعائد يقترب من 12 مليون جنيه، لكن بحسب وصف «الشناوي» فيكفي تصفيق الجمهور مع كلمة «نهاية الجزء الأول»، لننتظر منذ الآن باقي رحلة العثور على الكنز قريبًا فتكتمل الصورة والحكم.




2
0
1
0
0
0
0

شارك المقال


روائي وصحفي، مهتم بالسينما والأدب ومزجهما بالتاريخ والفلسفة