رغم المرض الذي كان ينهش جسده إلا أن الشاعر الراحل أمل دنقل ظل محافظاً على كبريائه الذي انتهجه في أشعاره واتخذه مسلكاً له في حياته أيضاً.

رسائل صاحب القصيدة الأشهر «لا تصالح» إلى والدته وأخيه «أنس» التي كتبها على فراش المرض بين أناته وعذاباته تكشف عن قوة احتماله وحرصه على الظهور قوياً مهما اشتد عليه حصار الألم والأوضاع المالية السيئة.

مشكلة الفلوس

في 17/6/1982 كتب «أمل» رسالة لأخيه «أنس» الذي كان يعمل في العراق. وقتها علم بمرض أخيه وحزن وقلق كثيراً، وطلب من «أمل» ألا يكذب عليه وأن يذكر له التفاصيل كاملة، وبعث إليه بألف دولار تعينه على نفقات العلاج.

كتب «أمل» الرسالة سارداً فيها مراحل مرضه وأخبر أخيه أنه لا يحتاج إلى الألف دولار التي أرسلها له من العراق، فيقول:

«مشكلة الفلوس لم تعد مشكلة، فعلاجي يتم على نفقة الدولة كاملاً، كما أنني معي فلوس كثيرة تكفي لعلاجي في حالة تخلي الدولة عني، ولذلك اسمح لي أن أرفض الألف دولار التي أرسلت إلىّ لأنني لست في حاجة لها».

وتكشف الرسالة عن صلابة صاحب قصيدة «الكعكة الحجرية» وتفهمه لحقيقة مرضه ولطريقة علاجه وتركيزه في فهم حالته طبياً، فيقول لأخيه «أرجو أن تطمئن اطمئناناً كاملاً. وعندما تحضر من إجازتك سوف ترى أن كل كلمة قلتها لك صحيحة، وأن المسألة مسألة وقت وأنا مبسوط جداً في المستشفى وأنزل أحياناً للتنزه».

طمأنة الأم

«أمل» كأي إنسان يخاف أن يقلق أمه وأهله عموماً عليه لذا لم يشأ في البداية أن يخبرهم بحقيقة مرضه، خاصة أن المسافة بين قريته في جنوب الصعيد وبين القاهرة كبيرة (حوالي 700 كيلو متر)، لذا كتب لأمه في 16/12/1981 هذه الرسالة بعد أن نشرت الصحف خبر مرضه:

والدتي العزيزة
أنا في أتم صحة وعافية.. ومن جهة صحتي فأرجو أن تكوني مطمئنة جداً والحمد لله.. لقد كان عندي ألم في الساق اليسرى نتيجة انسداد في العروق، ذهبت إلى الدكتور وعملت أشعة وطلعت النتيجة سليمة، وهي حالة تأتي عادة بعد العمليات وتذهب مع مرور الزمن، ولكنها تتعبني الآن لأني لا أستطيع المشي مدة طويلة.
أنس منذ شهر لم يرسل لي خطابات، وآخر خطاب أرسله كان مع أحد زملائه وهو بخير ويهديك السلام أنت وأحلام (أخته) وأولادها، وسوف أرسل له خطاباً قريباً أستفسر عن أحواله لأني أريد أن أرسل إليه جاكتات للشتاء، وسوف أشتريها له من هنا لأن البضاعة هناك مش على قد المقام.
أخبرنى عبد المنعم وعصمت عبد الحليم (أصدقاؤه من القرية) أنك تعبت نفسك وبنيت دورة مياه فوق، ويا ستي متشكرين جداً على تعبك وإن شاء الله سوف أحضر أنا لزيارتك ويمكن أكون وحدي لأن عبلة عندها شغل أولاً، وثانياً هي مشغولة بتأثيث شقة جديدة في الهرم، وهي شقة صغيرة من غرفتين لكنها جديدة ونظيفة وإن شاء الله ننتقل إليها بعد شهر عندما يخلص العفش والفرش.
أرجو أن تطمنيني على أحلام وأولادها.. وأرجو إذا احتجت إلى أي شيء أن ترسلي لي مع أي أحد.

واضح من الرسالة حنو «أمل» على إخوته واهتمامه بهم، فهو يخشى على أخيه «أنس» من البرد فيريد شرء جاكتات له ويرسلها له في العراق، ثم هو يطمئن أمه حتى لا تقلق عليه ولم يكن المرض اللعين قد تمكن منه.

جواكت الشتاء

قبل إصابته بالسرطان وتحديداً يوم الجمعة الخامس من سبتمبر في العام 1980، كتب «أمل» هذه الرسالة إلى أخيه أنس وكان مدوناً أعلى الصفحة عنوان معهد السرطان:

عزيزي الأخ الحبيب أنس
أرجو أن تعذرني إذا كنت أكتب لك على هذا الورق لأني لا أجد غيره أمامي الآن.. الساعة الآن الخامسة صباحاً، وقد أعدت قراءة رسالتك الأخيرة لي.. إنني أدرك أنك تريد التخفيف عني، وأن تفهمني أنك مستريح في الغربة القاسية.
الأمر يا عزيزي أنس أبسط من هذا بكثير.. كل مكان تعيش فيه لا بد أن تشعر فيه بالضيق والملل.. القاهرة مثلاً باريس الشرق الأوسط كما يسمونها.. هل تصدق أني أشعر فيه بالملل والضيق المستمر، لدرجة أني عندما أخرج للتنزه لا أجد مكاناً أذهب إليه.
لا تصدق أن المسألة مسألة مكان أو مسألة فلوس.. الراحة تأتي من الداخل.. وبما أن هذا الداخل لا يمكن أن يتواءم مع الخارج فلا بد أن تعيش النفس في غربة مستمرة، أحياناً نعلق أحزان غربتنا على شماعة المكان.. لكن الحقيقة أن الروح لا تستريح أبداً لأن ظمأ الروح لا يرويه نهر سواء كان هذا النهر هو النيل أو الفرات.
اشتريت لك عدد 2 جاكت جلد طبيعي والآخر شمواه.. المقاس الذي أحضرته لك هو 54، وأرجو أن يناسبك، وتبقى مصيبة لو أن هذا المقاس لم يكن ملائماً لك، فأرجو أن تطمئني على هذا. وسعر الجاكتين 62 جنيهاً، أي بواقع 31 جنيهاً لكل واحدة منهما.
وإذا احتجت إلى بلوفرات فأرسل لي مقاس الذراعين وعرض الكتاف وطول البلوفر، لكي يتسنى لي أن أرسل لك في الشتاء عدد 2 بلوفر صناعة يدوية (صوف إنجليزي) مع أحد المسافرين إلى بغداد.
بالنسبة لوالدتك فهي في صحة جيدة وكانت عندي في القاهرة مع أحلام وأولادها، وأمضوا أسبوعاً في مصر تفسحوا فيها وكنت في غاية الإنشراح لولا قلقها الدائم على غربتك المزعومة، لأني لا أعتبر أنك في غربة، فقد تكون غربتك مع موظفي التأمينات في قنا أشد.

ويتحدث عن مرضه مشبهاً حالته بحالة شاه إيران قائلاً:

الحالة لم تكن سرطاناً في الدم كما توهم الدكاترة في بداية الأمر، وإنما هو ورم ليفي أو ورم في الغدد الليمفاوية، وبالتالي هو سرطان متوسط يمكن علاجه والسيطرة عليه.
وبالمناسبة يا أنس بك هذه الحالة هي نفس الحالة التي كانت عند شاه إيران، لكن شاه إيران كانت مناعة جسمه أقل، كما أن الجراح الأمريكي د. ديبكي يقال أنه «لّط» أي مس البنكرياس أثناء استئصال الطحال.
وهناك من يقول إن أمريكا أرادت التخلص من وجود الشاه بواسطة هذا الجراح لكي تستطيع التفاوض في مسألة الرهائن.. المهم أن الشاه لو ترك لرعاية الأطباء المصريين فقط لربما كان ينعم بصحة جيدة الآن.  ​​​​​​​




المصدر

كتاب «رسائل المشاهير». سامي كمال الدين

0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية