لا توجد أم أو جدة كانت تنتمي إلى الطبقة المتوسطة في القرن العشرين إلا وتعرف «أبلة نظيرة» التي كان لها دور في وضع أسس تراث المطبخ المصري.

غزت «نظيرة نيقولا» كل بيوت المصريين بكتابها الذي تضمن وصفات لأنواع عديدة من الطعام، في وقت كانت مصر تسير نحو المدنية بخطى ثابتة، وأصبح اهتمام الفتاة بتعليمها الجامعي وعملها بعد ذلك يطغى على اهتمامها بالمطبخ. ومن ثم كان كتاب «أبلة نظيرة» هو طوق النجاة.

التقشف مفتاح الإبداع

و«نظيرة» امرأة قبطية سمراء تلزمها قواعد دينها بأن تقضي أكثر من نصف السنة صائمة وتحصر علاقتها بالطعام خلال هذه المدة في اختيارات محدودة للغاية لا تعرف المسبك والمحمر والطواجن إلي آخره.

وأغلب الظن أن هذا التقشف كان هو مفتاح الإبداع، فتلك المرأة هي التي علّمت كثير من السيدات بعد ذلك، كيف يبدعن في المطابخ.

بعثة لندن

عندما سافرت إلي لندن في بعثة تابعة لمعهد معلمات الفنون لدراسة فنون الطهي وشغل الإبرة، لم تقضِ سنوات البعثة الثلاث في إتقان أصناف طعام جديدة خاصة أن الفارق بين مطبخنا والمطبخ الغربي شاسع، لكنها تشربت فلسفة ما ساعدتها في تقديم معالجة جديدة لتراث الطهي الذي تتناقله الأمهات جيلا بعد جيل.

ما يؤكد ذلك أنها عقب عودتها مع بداية الثلاثينيات اختارت أن تعمل في مدرسة السنية الثانوية كمعلمة لمادة أسمتها «الثقافة النسوية». وكان واضحاً أنها تحلم بوضع لمسة من الثقافة والنظام علي فطرة المصريات بالذات الجيل الجديد منهن. فيما بعد أصبحت «الثقافة النسوية» مادة رئيسية معترف بها تحت اسم «التدبير المنزلي».

أعلنت وزارة المعارف عن مسابقة لتأليف كتاب في الطهي تعتمده الوزارة كمنهج دراسي للفتيات، وقبلها كانت نظيرة قد صادقت «بهية عثمان» العائدة من بعثة مماثلة في انجلترا، فاتفقتا علي تأليف الكتاب سوياً، فكان كتاب «أصول الطهي» في أكثر من 800 صفحة.

أهدت المؤلفتان الكتاب إلي مليكة مصر الملكة فريدة، وقالتا في مقدمة الكتاب إن سببين وراء العمل عليه، الأول عدم وجود مراجع عربية في هذا المجال، والثاني هو اتجاه الرأي العام لتنشئة الفتاة علي فهم الحياة المنزلية فكان لابد من دعم ذلك بالعلم والأصول الصحيحة.

ملاعب الطهي الشرقي

ولكن كيف استطاعت الفتاة التي درست فنون الطعام في بلد أوروبي أن تتسلل بكل هذه الخفة إلى المطبخ الشرقي وتصبح رائدة له؟

عندما عادت «أبلة نظيرة» من لندن نزلت بنفسها إلى ساحة الطهي الشرقي لتتقنه فكانت تقضي أياماً طويلة في محلات الحلوى لتتعلم أسرار صناعة الكنافة والبقلاوة.

كانت أبلة نظيرة تقول لبنات جيلها في الحوارات الصحفية «نصيحة أن تدرسن كتابي جيداً، ولتحملنه معكن إلى عش الزوجية، فالرجال قلوبهم في بطونهم».

 وتحكي كيف قضت أياماً في مطابخ مطاعم شهيرة وقتها مثل «عزوز» و«مطعم العشي»، تراقب طرق طهي الخضروات واللحوم، وأياماً أخرى في معامل وزارة الزراعة تراقب كيف يتم تصنيع المربات والألبان والمنتجات الزراعية.

بعدها طبقّت ما تعلمته في لندن على أسرار «النّفس الشرقي»، واضعة كل قوانين لكل طريقة طهي بإخلاص شديد. كانت تقول لبنات جيلها في الحوارات الصحفية «نصيحة أن تدرسن كتابي جيداً، ولتحملنه معكن إلى عش الزوجية، فالرجال قلوبهم في بطونهم».

ما وراء الطعام

لم يتدخل كتاب أبلة نظيرة وأبلة بهية في «نَفس الطبخ» الذي يميز كل أنثي عن الأخرى ويعبر عن شخصيتها، واهتم أولا بأرشفة كل الأكلات الممكنة في تاريخ مصر بطريقة بسيطة، ثم اهتم بكل ما هو وراء الطعام.

يجب أن يكون مطبخ البيت في جهة بحرية حتى يكون متجدد الهواء، وفي كل طعام مطبوخ لابد أن تكون نكهة المادة الأساسية ظاهرة، ومهما كانت إمكانياتك لابد وأن تكون ألوان الطعام علي المائدة متباينة، فمتعة العين جزء من متعة الطعام.

فالمطبخ الكبير زيادة عن اللزوم تعمه الفوضى سريعاً، ومن ثم لابد أن يكون مطبخ البيت في جهة بحرية حتى يكون متجدد الهواء، وفي كل طعام مطبوخ لابد أن تكون نكهة المادة الأساسية ظاهرة، ومهما كانت إمكانياتك لابد وأن تكون ألوان الطعام علي المائدة متباينة، فمتعة العين جزء من متعة الطعام.

تضمنت نصائح «أبلة نظيرة» أهم شرط من شروط نجاح الصلصة وهي أن يكون لونها مطابق تماماً للون المادة الأساسية فيها، ومهارة ربة البيت لا تتجلي فقط في الطهي ولكن تتجلي أكثر في مهارات إعادة طهي ما تبقي من بواقي طهي سابق.

أدوات المرأة الأساسية هي إناء ونار. تخلي عن التعقيد في أدوات الطبخ وإن كان ثمة شيء أهم من الإناء والنار في المطبخ فهو ساعة الحائط.

مطلب الدبلوماسيين

كان كتاب «أبلة نظيرة» أكثر ما تطلبه البعثات الدبلوماسية في القاهرة، وكذلك عرائس السلك الدبلوماسي، بخلاف الطلبة والطالبات المغتربين وازداد انتشاراً كلما انتشرت المدنية وضعفت صلة الفتاة الجامعية الحديثة بالمطبخ وتعلم أصول الطهي على يد أمها.

في إحدى الحوارات الصحفية قالت «أبلة نظيرة»: «مجموع ما حصلت عليه من الكتاب أنا وزميلتي هو مبلغ 525 جنيهاً فقط، اقتسمناها بالعدل، فقد اشترت وزارة التربية والتعليم بهذا المبلغ البسيط حقوق نشر الكتاب منا عندما انتهينا من تأليفه عام 1942 وخصصته لمعاهد البنات، وقد طبعت منه الوزارة آلاف النسخ، نفدت كلها من الأسواق، ثم صرحت لنا الوزارة بأن نطبع نسخاً من الكتاب على حسابنا ونحصل على إيراده، بعد أن استقر الكتاب في معظم بيوت مصر طبعاً».

الشهرة الطاغية

يتبقى تساؤل: لماذا حصدت «أبلة نظيرة» الشهرة كلها وطغي اسمها علي اسم أبلة بهية عثمان شريكتها في هذا المجد؟

لا أحد يعلم، لكن هناك تفسير يقول إن «أبلة نظيرة» رسخت وجودها كصنايعية طهي بنشاط تجاوز الكتاب، ففي أحد الأيام اتصلت بها الإذاعية الكبيرة صفية المهندس صاحبة أشهر برنامج عائلي في تاريخ مصر كلها «إلي ربات البيوت» وطلبت منها أن تشارك بتقديم فقرة في البرنامج.

كانت أبلة نظيرة تقترب من سن المعاش وأعجبتها الفكرة، وظلت لسنوات طويلة تقدم فقرة يومية صباحية تساعد من خلالها ربة كل بيت مصري علي اختيار طعام غذاء أسرتها لهذا اليوم.

بعد ذلك فتحت لها مجلة «حواء» أشهر المجلات النسائية وقتها الباب لاستكمال رسالتها المكتوبة والتي تفرع عنها العديد من الكتب التي تحمل اسم «أبلة نظيرة» منفرداً.

 

يروى أن «أبلة نظيرة» ظلت تعمل بدأب حتي سن التسعين، ثم رحلت عام 1992، ورغم كل ما حصدته من تكريم كان لديها غصة من سخرية الكوميديان سمير غانم منها في إحدى المسرحيات واصفاً إحدى صفحات كتابها بأنه صفحة الوفيات.




المصدر

كتاب «صنايعية مصر.مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث».عمر طاهر.

0
0
0
0
0
0
2

شارك المقال


صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية