السيجارة كليوباترا صارت على مر السنوات تفصيلة مهمة في حياة الشعب المصري منذ ظهورها للنور على يد جوزيف ماتوسيان، لكن من هو جوزيف ماتوسيان؟ وكيف تحولت كليوباترا إلى صديق دائم في كل المناسبات واللحظات الحلوة والمرة؟ وما علاقة الرئيس جمال عبد الناصر بالموضوع؟

القصة كاملة يرويها عمر طاهر في كتابه «صنايعية مصر. مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث».

على مر العقود لم تكن كليوباترا مجرد سيجارة وإنما عملة في حياتنا اليومية. هي عملة الأفراح؛ فلا يتوقف صاحب الفرح ومعاونوه عن تقديمها للمدعوين، وعملة الجنازات؛ فعندما يتوقف المقرئ يقوم صاحب العزاء ومعاونوه بالتجول بين الصفوف شاهرين العلب يطل من كل واحدة نصف سيجارة جاهزة لأن يسحبها المعزي.

هي أيضاً عملة السجون فكل الخدمات التي يمكن أو لا يمكن تقديمها داخل السجن لها تسعيرة تبدأ بعلبة سجائر، وهي عملة فتح الكلام مع الغرباء، وكذلك عملة الحصول من شخص ما على معلومة تبدأ من مواعيد عمل عيادة الطبيب الفلاني ولا تنتهي بمعلومة من البواب عن أسرة شاب تقدم إلى فتاة من عائلتك، فضلاً عن أنها عملة البحث عن ونس في مشاوير السفر الطويلة.

هي كذلك عملة الترحيب والضيافة. وأول ما تدقق فيه داخل بيوت الصعيد هو نوع سجائر الضيف حتى يوفرونها له ويضمنون ألا تنفذ خلال جلسته فيتعكر مزاجه.

إنها بكل بساطة عملة إزالة الفوارق وخلق مساحة محدودة من الألفة ولو عابرة، وهي أيضاً عملة الطبطبة على معتل المزاج أو الشارد أو المهموم.. هكذا يراها المدخنون.

ماتوسيان والريحاني

عندما بدأ ماتوسيان الأكبر عمله في نهاية القرن الـ18 كانت تجارته رائجة لا تتوقف عند مصر لكنها تصل إلى أوروبا أيضاً. كانت المنافسة حامية وزادت وطأتها عندما تدخل القصر الملكى وأصدر قراراً بإنشاء الشركة الشرقية للدخان.

لم يكتف ماتوسيان بالدعاية في الصحف والمجلات، بل اتفق مع نجيب الريحاني على أن تقدم فرقة الريحاني موسم مسرحي في الإسكندرية لحساب الشركة، على أن تضع الشركة في علب السجائر كوبونات يستطيع من يشتريها أن يقدمها لعامل التذاكر ويحصل على تذكرة مخفضة.
كان الريحاني وقتها في أزمة مالية وكان بحاجة لمن يمول مسرحيته الجديدة، فظهر ماتوسيان وكان الاتفاق أن يقوم الريحاني بالدعاية لسجائر ماتوسيان على أن يدفع له يومياً 10 جنيهات، و5 جنيهات أخرى لبديعة مصابني إضافة لتأمين كل نفقات الفرقة والمسرح والدعاية طيلة الموسم الصيفي، ونجح الاتفاق.

كان ماتوسيان تاجراً ماهراً يسعى إلى ما هو أكثر من التواجد على الساحة، حتى بعد صدور قرارات التأميم وفرار الكثير من منافسيه. استجاب للوضع حينذاك واندمج بشركته مع الشركة الشرقية للدخان التي أمُمت، لكنه حتى هذه اللحظة لم يكن يحلم أن يكون صاحب السيجارة الشعبية الأولى في مصر، بل أنها لم تكن فكرته أصلاً.

«كِنت» ناصر

كان كمال قطبة، عضو غرفة صناعة السجائر في مصر شاهداً على القصة التي بدأت في شتاء عام 1961 على هامش اكتشاف أنشطة تجمع السوق المصري والسوق السوري أيام الوحدة.

أقامت مصر معرضاً في أرض المعارض بالجزيرة للصناعات التي يمكن أن تصبح مشتركة بين البلدين، وقررت غرفة صناعة السجائر أن يكون هناك جناح للتبغ المصري والسوري، ووصلت أخبار أن جمال عبد الناصر سيزور المعرض.

وصل ناصر وصافح ماتوسيان بحرارة، ثم أخذه في جولة للتعرف على جميع أنواع المعروضات. على هامش الجولة وزّع ماتوسيان السجائر والسيجار على ناصر وصحبته.

كان منتج ماتوسيان الأهم وقتها سجائر «بلمونت». فأخذها ناصر ووضعها جانباً ثم وضع يده في جيبه وأخرج علبة سجائره الخاصة «كنت» وأشعل واحدة وسط وجوم أصحاب المعرض.
 

شعر ناصر بثمة حرج وأن الموقف غير مريح، فقال لهم أنه لا يغير نوع سجائره فالتغيير يؤثر سلبيا على رئتيه، وربما شعر أن مبرره لا يغطي الإحراج الذي سببه للحاضرين فقال لهم: «شوفوا كده يا جدعان، لو عملتوا سيجارة محلية زي كِنت هاكون أول وأكبر زبون عندكم».

التقط ماتوسيان طرف الخيط وقال لناصر: طلباتك أوامر.

في اليوم التالي طلب ماتوسيان كمال قطبة وقال له: «يا كمال إحنا وعدنا الرئيس نعمل له سيجارة زي الكِنت»، ثم طلب منه أن يشترى من السوق السوداء ثلاث خراطيش كِنت ليتم تحليلها داخل المعمل لمعرفة كيف تتكون الخلطة.

فيلم كليوباترا

جلس ناصر إلى منضدته في حفل الزفاف وشب ماتوسيان وقطبة ليعرفا نوع العلبة التي سيخرجها ناصر من جيبه، هل مازال يدخن الكِنت أم أنه أعجب بالسيجارة الجديدة؟

بعد ثلاثة أسابيع كان هناك اجتماع لدراسة النماذج الجاهزة من تلك السيجارة، كانت قريبة منها بالفعل وتم تصميم علبتها بحيث تكون قريبة الشبه من الكنت، بيضاء بخطوط ذهبية رفيعة، وبقي اختيار الاسم.

كانت وقتها الضجة كبيرة حول فيلم «كيلوباترا» لإليزابيث تايلور. نجاح عظيم، وإنتاج ضخم تكلف وقتها أكثر من 20 مليون دولار، ودعاية ضخمة في كل مكان جعلت الاسم ذا حضور قوي. فكر ماتوسيان أنهم لن يحتاجوا لدعاية إضافية مع رواج الاسم.

إلى كوبري القبة

بقى أن الشخص الذي اقترح تصنيع هذه السيجارة لا بد أن يكون أول من يجربها. تم إعداد لفة أنيقة من الورق المذهب وُضع بها أربعة خراطيش كيلوباترا مع رسالة من ماتوسيان للرئيس، حملها قطبة، وماتوسيان إلى كوبري القبة حيث يقيم الرئيس.

أكثر من شهر كان ماتوسيان ينتظر النتيجة، حتى اليوم الذي وجهت فيه الدعوة لكمال قطبة وجوزيف ماتوسيان لحضور حفل زفاف صديق لهم كان سيتزوج ابنة أحد اللواءات أصدقاء ناصر (اللواء رشاد حسن). كان من المؤكد حضور الرئيس وكان الجميع يعرفون أن الرئيس بطبعه كمدخن سيخرج علبته من جيبه فور أن يجلس.

ذهب ماتوسيان ورفيقه إلى الفرح وجلسا قريباً من منضدة العريس. ظلا يعدان الساعات حتى وصل ناصر مع حراسته، وصافح العروسين ثم جلس إلى منضدته.

جلس ناصر إلى منضدته في حفل الزفاف وشب ماتوسيان وقطبة ليعرفا نوع العلبة التي سيخرجها ناصر من جيبه، هل مازال يدخن الكِنت أم أنه أعجب بالسيجارة الجديدة؟

أخرج ناصر علبته ووضعها أمامه، لم تكن الكِنت، ولم تكن أيضاً كيلوباترا، كانت نوعا أمريكيا آخر «إل أند إم». بعدها رحل ماتوسيان، ثم هاجر قطبة إلى كندا، ولم يعرفا حتى رحل ناصر إن كان قد أحب الكيلوباترا أما لا.

صديقة الفقراء

ظروف كثيرة جعلت كيلوباترا السيجارة الشعبية الأولى، من بينها السعر وغياب المستورد لسنوات طويلة والإعلانات التي قدمها نجوم السينما، ومع الوقت أصبحت تفصيلة ثابتة في حياة المدخنين المصريين، يهرب الواحد إلى نوع مستورد عندما يكون في «بحبوحة» ما لكنه سرعان ما يعود إليها، و لم لا وهي التي تحمل اسما حركياً «صديقة الفقراء».




المصدر

كتاب «صنايعية مصر. مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث». عمر طاهر.

6
3
5
2
0
0
1