رحلة العمر.. حين تكون النظرة والفعل والتحرك من قلب مفعم بالآمال والحرية، والعين ترى الحياة من بوابة النضج.. سنوات الجامعة، بوابة العبور الحقيقي للحياة الفسيحة، من بحر التعلم إلى شاطئ المسئولية.

أربعة أعوام انقضت بين جنبات جامعة القاهرة، تُفكر أنك أصبحت طالبًا من طلاب الجامعة العريقة بكل ماسمعته عنها، وكونها الأفضل والأجمل، ثم تفكر في دار العلوم.. العراقة.. اللغة .. الشريعة.. الصُحبة.

مع كل هذا لن تمر عليك الليلة بسلام، ستبقى مستيقظًا، قلقًا، مبتهجًا، تهزك الكثير من المشاعر التي تداعبك، ويعجز النوم أن يُخمد لهيبها.. الليلة التي سبقت أول يوم جامعة تمر كحلم طفل ليلة العيد، يخشى أن يغفو فتضيع عليه الدقائق الأولى من المسرة.. يأتي الصباح بخطوات بطيئة بعد ظنك أنه لن يأت أبدًا.

الخطوات الأولي داخل الحرم الجامعي، العالم الجديد الذي تخطو خطواتك الأولى به دون رفيق يشاركك تفاصيله الأولى، لتصل إلى الدار، وأخيرًا قاعة محاضرات بها عدد لا بأس به من الطلاب، مُحاضر يروي تفاصيل مسيرته فى الحياة منذ أن حملت به أمه حتى اللحظة التي تراه واقفًا أمامك..

تجلس منبهرًا بما تسمع، لتباغتك الحقيقة بعد مرور أربعة أعوام على تلك اللحظة الأولى، كم كنت ساذجًا، تنبهر بنظرة شخص آخر للحياة وتُفكر في اتباعها، الآن أدركت أن لكل منا نظرته الخاصة بالحياة والتي يسلك دربه بناءًا عليها.

ثم المحاضرة الثانية والثالثة والرابعة، فالأخيرة قبل حصولك على الليسانس.

الآن.. بعد أربعة أعوام لم تمر كما ظننت، ولكن فلنقل أنها مرت أفضل مما ظننت، باعتبار أن العبرة بالنهايات وليست البدايات.

 تتذكر لحظة تعرفك على أصدقائك الجدد، أولئك الذين أطلقت عليهم «أصدقاء العمر»، تتذكر كل التفاصيل والصور التذكارية تقوم بدورها أيضًا لتذكرك، تباغتك ليلة ظللت تبكي كطفل تائه لا يدري ماذا يفعل دون أمه.

«مش بعرف أروح مكان لوحدي».. «مش بحب أقعد في المدرج من غيرهم».. «مش هنزل تاني».. «مفتقدهم»..

ونوبة الاكتئاب التي مررت بها لأكثر من عام، دون أن يدري بها أحد..

الآن تضحك؟؟

تذكرت يوم أن وجدت نفسك نسخة مكررة للكثير، يوم أن قررت أن هذا الشخص لا يشبهك، كل موقف مررت به حينها ترك بداخلك أثرًا ساعدك في تكوين شخصيتك واعتقاداتك، الآن عليك أن تشعر بالامتنان لهذه المواقف التي جعلتك تكتشف مواطن القوة داخلك، فأصبحت أقوى.

الآن بعد مرور أربعة أعوام، لديك الكثير من الاصدقاء حتى أولئك الذين رفضوا اختلافك عن نسختهم أصبحت قادرًا على تقبل رفضهم، الآن تذهب أينما شئت وحدك، دون انتظار أحدهم أو تنسيق مواعيده، تتقبل بصدر رحب وجود شخصيات اليوم ورحيلها غدًا.

الآن تدرك أين تجد قبلتك، وتمضي تاركًا كل ما يؤذيك حتى لا تنحرف عن دربك، مؤمن بأن الحياة تمضي بوجودك أو بدونك.. لن تتوقف بعد تفكك علاقة، فهي تمضي غير مبالية بتلك الأوجاع التي بداخلنا، الآن أدركت أن الحياة أصعب من أن تضع فرصها رهن يديك وتنتظرك حتى تأخذها.

الآن بعد أربعة أعوام مرت على اعتقادك بأن الدرب ابتدأ، أصبحت تستيقظ وأنت تردد أشعار «درويش»

هذا هُوَ اسمُكَ ، فاحفظِ اسْمَكَ جَيِّداً !

لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ

ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ ،

كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقِيِّ

جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى

ودَرِّبْهُ على النُطْق الصحيح برفقة الغرباء

واكتُبْهُ على إحدى صُخُور الكهف ،

يااسمي : سوف تكبَرُ حين أَكبَرُ

سوف تحمِلُني وأَحملُكَ

الغريبُ أَخُ الغريب

سنأخُذُ الأُنثى بحرف العِلَّة المنذور للنايات

يا اسمي: أَين نحن الآن ؟

قل : ما الآن ، ما الغَدُ ؟

ما الزمانُ وما المكانُ

وما القديمُ وما الجديدُ ؟

..

سنكون يوماً ما نريد..ُ

".. لا الرحلة ابتدأت ولا الدرب انتهي

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع.
 




6
6
0
0
1
0
0

شارك المقال