كان ينفث دخان سيجارته في حالة من الهذيان.. تحول فمه إلى مدخنة، تضخ الغازات السامة في حلقات من السحب، منكفئاً على مقعد، مُلقياً قدميه على ترابيزة الكمبيوتر ما بين الكيبورد والماوس، وتزاحم أكواب الشاي والقهوة ومطفأة السجائر، وبعض مخلفات قزقزة اللب والسوداني، عينيه مفتوحتان، وتتأجج اشعة الشاشة لترتد على عليهما، وتخلق ومضة زرقاء، يتداخلها احمرار رقم الشعار، واخضرار عند رقم الدردشة، وتبلغ اذنيه أصوات ما بين طنين الشعار، والرسالة، والدردشة.

تلتصق يده اليمني بالماوس، يحوم بها حول الصفحة الرئيسية، والصفحة الشخصية في زحزحة تروح وتجئ؛ ليعود إلى ادراجه في صفحته التي صنعها، ويتبسم في زهو؛ لأن صفحته «رومانسية وحب» نالت نصف مليون إعجاب، وكأنه «ملك» اعتلى عرش المملكة، يجوب أحشاء الصفحة، ويتفقد آخر البوستات، ويتفحص آخر التعليقات، ويتحسّس على رسائله التي تتوافد؛ فنري:

- «أنا سنفوره»: بجد صفحتكم جميلة جدا أنا من أشد المعجبين بيها

- «راجية الجنة»: لو سمحت أنا حبيبي مش مهتم بيا زي الأول اعمل ايه عشان اخليه يهتم بيا؟

- «انا الاصل والباقي تقليد»: ممكن لو سمحتوا ابقى ادمن معاكم.. اتمني اكون واحد منكم. ‏

إلي آخر زخارف الأقوال والمشاكل العاطفية، ويحمل الفانز أسماءً مستعارة أو حقيقية، ويضع كلاً منهم صورة لأولياء الشهرة وأصحاب الصيت، أو يكتسي صورته الحقيقية، أو يلبس فتاة من ذوات الشعر المنساب، أو آية قرآنية بارزة ذات خلفية باهتة، أو خاطرة حب من الخواطر..

ولا يكترث صاحبنا إلا لفتاة الشعر المنساب، أو خاطرة الحب؛ لان رغباته تندرج تحت هؤلاء.

ويرد على «أنا سنفوره» فيقول: بعض ما عندكم انتي اجمل اكيد ‏

ثم تراوده ويراودها حتي تقع في حوذته وفي أحضان اصدقائه.

ويرد على «راجية الجنة» فيقول: مشكلتك بسيطة متهتميش بيه زي ماهو مش مهتم بيكي صدقيني هتلاقيه اهتم بيكي واكتر من الاول.

ثم تراوده ويراودها؛ فتبقي معلقة فوق أرفف الرسالة لأنها مرتبطة لا تطلب الصداقة ولا الخاص.

أما «انا الاصل والباقي تقليد» يتجاهله لانه لا ينتمي لرغباته.

وبينما يراود فتياته، تدق الساعة في جهاز الكمبيوتر، ويعلو صوت برنامج مواقيت الصلاة، فتسمع سلاسة في الصوت كهدير الموج، «الله اكبر الله اكبر»، وتري عنوان عريض عليه صلاة العشاء، تجاهل هذه النافذة؛ التي قطعت عليه مراوداته؛ فخرج منها قبل التكبيرة الثانية، واستأذن فتياته ليصلي العشاء، وجعل دردشته في وضع الاوف لاين، ونشر بوست على صفحته «من ترك صلاة العشاء فليس في نومه راحة صلاة العشاء اثابكم الله»، وظل لا يتزحزح مكانه.

وفي تلك اللحظة تتخيل «أنا سنفورة» صاحبها الجديد؛ فتري أنه رجل رومانسي ومهذب، وتتخيل «راجية الجنة» أنه رجل ملتحي، يشرق وجه كضوء الشمس كل صباح، وتقبع علامة الصلاة غرته، وبقية الفانز يتخيلون، وفي ذات اللحظة وهو يترقب، لاحظ أن البوست، لم يظفر إلا بسبعة لايكات فقط، وكأن الصفحة انقلبت صحراء جرداء لا تسمع فيها إلا صفير الرياح. أحس أن مملكته على وشك الإنهيار، فأسرع على الفور ومسح هذا البوست الخائر، ونشر «وكم من شخص أختار البعد ليرتاح فتعب أكثر» ‏

وما هي إلا ثوان، وانهالت عليه أصوات الشعارات المطنطنة، ونزلت عليه اللايكات كالسيل، وتساقطت عليه التعليقات فنري: فعلا والله تعبت من كل حاجة، صحيح، عندك حق، لازم تبعد وتتعود :-(... إلى مالا بداية ولا نهاية، راح يكمل متعته الاولي ومراوداته.

دقت ساعة الفجر، فارتفع صوت السلاسة والعذوبة وبلغ اذنيه، واغلق عليه الآذان مرة أخرى لذته المستمرة، ولكن هذه المرة لم يخرج من الآذان، وتركه للنهاية يطرب في أذنه حتي اختفت نافذة البرنامج؛ فبدأت أصوات الطنطنة والدندنة والقعقعة تعيد سيرتها الاولي، وتغلغل على هذه الاصوات صوت الآذان، ولازالت ترن في أذنه عبارة «لا إله إلا الله»، وكأن لحن العبارة يدوي في أحشائه، كل كلمة فيها تشده من إطالة اللائية ونفي الألوهية إلى إثباتها؛ فانصت اليها لبرهة، وترك الصفحة والرسائل والدردشة والسيجارة والفتيات ملياً، ونظر إلى حياته نظرة خارجية مذهبية، فوجد انها عبارة عن 4 مذاهب «سيجارة وفيس بوك وفتاة وحب».

هذه النظرة الخارجية جعلته يدرك أن «لا اله الا الله» لا سيجارة ولا فيس بوك ولا فتاة ولا حب ولا آلهة إلا الله، فخرج من كل الآلهة المزيفة، وراح يتوضأ، وصل ركعتين تاب فيهما واناب، واحس فيهما بارتياح لا ند له، ولازالت أصوات الرسائل تتوافد وأصوات الشعارات ترن من خلفه.. تجاهلها واعتدل في استخدامها، وما هي إلا ايام اقلع فيها عن التدخين واصبح تقياً صالحاً....

ولا تزال «سنفورة»  تتخيل، ولا تزال «راجية» ترسم صاحبها، ولا زالت الفانز تدوس لايك وتكتب كومنت، وتتخيل أمام الشاشة، ولازالت الساعة تمضي والأيام تتوالى، ولازال الجمهور المغفل يعيش في غفلة، نائم يحلم ويرسم على الماء.  

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع.

 



0
0
0
0
0
0
0