يدرك جيل السبعينات والثمانينات الدور الذي لعبه عاطف منتصر في سوق الغناء المصري، بعد أن نقل الطرب من منطقة الأسطوانات إلى منطقة شرائط الكاسيت. ليس هذا فحسب، فقد غيّر أيضاً في شكل الغناء المصري عندما اكتشف معظم مطربي هذه الحقبة بداية من أحمد عدوية وحتى مدحت صالح وغيرهم.

ولكن كيف حدث ذلك؟ القصة كاملة رواها عمر طاهر في كتابه «صنايعية مصر. مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث».

من المقاولات إلى الغناء

خرج الشاب صاحب الـ22 عاماً إلى الشارع في لحظة كان قد ملّ فيها تماماً من العمل في شركة المقاولات الكبيرة التي تمتلكها أسرته، وكان اللقاء في هذه اللحظة مع شاعر كبير بقامة مأمون الشناوي.

صارح الشاب الشاعر بمشكلته مع عمل المقاولات الذي لا يجد فيه نفسه، قال له الشناوي: «ما تيجى نفتح شركة أسطوانات». لمعت الفكرة فى ذهن الشاب وأخذ يستجوب «الشناوي» عن طبيعة (الشغلانة) وطريقة إدارتها ومخاطرها ومكسبها. كانت الفكرة تترتب تلقائيا في ذهن الشاب.

توجه «منتصر» إلى والده وبعد مفاوضات عنيفة كان الأب يرفض الفكرة خلالها وافق على أن يقرض ابنه 3000 جنيه، كذلك فعل الأخ الأكبر وأقرضه 2000، ثم وضع الشاب يده على غرفة في شركة المقاولات وأعلنها شركته الجديدة للأسطوانات.

هاني شاكر

فتش «منتصر» مع «الشناوي» عن البداية. كان هناك مطرب جديد اسمه هاني شاكر، فقرر أن يكون هو أول من تنتج له الشركة. وسأل الشاب «هنسمي الشركة إيه؟». فقال «الشناوي» دون تردد: «صوت الحب».

بعد 15 عاماً قررت شركة emi أكبر شركة تسجيلات أمريكية أن تبحث عن شريك لها في الوطن العربي تضع اسمها إلى جواره ليصبح مسؤولاً عن إنتاجها هناك، فاختارت عاطف منتصر وشركة «صوت الحب».

فرقة المصريين

يقول «منتصر» إنه شعر بعد رحيل عبد الحليم حافظ باستحالة أن يأخذ شخص آخر مكانه، وأنه سيكون صعبا على الناس أن تستمع بعد رحيل حليم لمطرب يغني أغنية طويلة من النوع الذي كان يقدمه العندليب الأسمر.

فكر «منتصر» في أن يقدم فرقة موسيقية من نوعية «البيتلز» وغيرها. في الوقت نفسه كان الفنان هاني شنودة يمتلك فرقة موسيقية تقدم الأغنيات الأجنبية، وشاهدهم في مرة نجيب محفوظ فقال لـ«شنودة» لماذا لا تقدم أغنيات عربية، فقال «شنودة» أنه حلم لكنه قدم أسباباً كثيرة تحول دون الفكرة.

لم يقتنع «محفوظ» بالأسباب واعتبرها محض كلام، فقال له: «لا تستبدل شهوة العمل بشهوة الكلام»، فتحرك «شنودة» بحثاً عن طريقة يعمل بها على فكرته، وعندما التقيا «منتصر» و«شنودة» كان الهدف واحداً، وكانت «فرقة المصريين».

كانت خطة العمل وقتها مختلفة تماماً عن خطة الغناء من قبل. اختار «منتصر» أستوديو جديداً يمتلكه طارق الكاشف وكان يتم التسجيل فيه بنظام التراكات، مما يسمح بأن يتم تقديم الأغنية في شكل موسيقي جديد، وأصبح هذا الشكل فيما بعد هو عُرف الأغنية في مصر حتى يومنا هذا، الأغنية القصيرة الموزعة موسيقيا بتقنيات حديثة.

أثناء العمل كان واضحاً لـ«منتصر» أن شريط الكاسيت سيفرض شكلاً لإنتاج أي مطرب سيأتي بعد هذه التجربة وهو أن يضم شريط الكاسيت 8 أغنيات قصيرة وليست أغنية واحدة طويلة.

كانت تجربة تسجيل هذا الشريط مرهقة لأنها الأولى من نوعها، واستغرق التسجيل أكثر من 8 شهور، ثم صدر ألبوم «المصريين». يقول «منتصر» إنه لاحظ نجاح الألبوم – حسب الموزعين- في منطقة «مصر الجديدة»، وكانت إشارة إلى أن هذا النوع من الغناء سيكون غناء «مصر الجديدة»، وهو ما حدث.

تغيرت خريطة النجومية وشروطها سريعاً. أما الكبار فحافظوا على استقرارهم ولم يتأثروا، ولكن لفترة وخضعوا بعدها للشكل الجديد، وبدأوا في تسجيل أغنيات قصيرة موزعة موسيقياً في الأشكال الحديثة.

بمرور الوقت تغير الذوق وأصبح أقرب إلى هذا الشكل، واختفى عن الأنظار من حاول أن يمسك العصا من المنتصف أو فكر أن يقاوم الشكل الجديد، وتراجعت الأسطوانات حتى اختفت، وظهر حليم وأم كلثوم وغيرهما في السوق على شرائط كاسيت.

السح الدح إمبو

كان الطريق لازال في بدايته. فكر «منتصر» و«الشناوي» في إنتاج أسطوانة تضم الموال الشعبي، وظلا يبحثا عن الصوت المناسب.

في ذلك الوقت وصل إلى القاهرة ضيف يعمل مع شقيق «منتصر» في ليبيا، مع توصية من الشقيق بأن يعد «منتصر» للضيف «خروجة» لطيفة. واصطحبه «منتصر» و«الشناوي» إلى أحد المطاعم التي يغنى فيها كبار المطربين، وكان هناك مطرباً صغيراً غنى يومها ولفت نظر «منتصر»، وقال إنه يصلح لغناء الموال.

كان اسمه أحمد عدوية. اتفقا على أن يتقابلا في اليوم التالي في المكتب للاتفاق واختيار الموال، استقبله «منتصر» وخرج ثم عاد إلى المكتب فوجد «عدوية» يطبل على المنضدة ويغني «السح الدح إمبو»، فقال له «منتصر»: سيبك من موضوع الموال، إحنا هنسجل الأغنية دي.

حصل «عدوية» على 15 جنيها، وطلب مثلها للمؤلف «الريس بيرة»، والملحن «الشيخ طه»، وأحضر «عدوية» فرقة مكونة من 9 عازفين واتجهوا إلى أستوديو 46 في الإذاعة لتسجيل الأغنية. كان كل من يمر أمام الأستوديو يقول: توقعوا فشلا عظيماً أيها المجانين.

طبع «منتصر» 1000 أسطوانة ثم عاد إلى مكتبه حاملاً الأسطوانات، وكان يقوم بكل شيء بنفسه لا موظفين ولا عمال. كان يوجد أسفل الشركة محل لبيع الأسطوانات، أعطاه «منتصر» 5 أسطوانات طالباً منه أن يعرضها عنده مجاناً.

فى الثانية ظهراً كان «منتصر» يطل من شباك مكتبه، فوجد الشارع مغلقاً وزحاماً شديداً فتوقع أنها مشاجرة أو حادث. نزل من مكتبه فوجد الأغنية «شغالة» في المحل وقد تجمعت الناس لمتابعة الأغنية الاختراع أمام المحل، وقبل 10 مساءََ كانت الألف أسطوانة قد نفدت تقريباً.

إفساد الذوق العام

اتهامات عديدة وُجهت لـ«منتصر» منها إفساد الذوق العام على حساب البحث عن الثراء، إلا أنه كان يرد على ذلك بقوله: سمعت وقرأت كلاماً وقت ظهور «عدوية» من هذا النوع، لكن أنظر كيف يقيّم الناس تجربة أحمد عدوية الآن كمطرب شعبي.

يروي «منتصر»: «أما عن الأموال، فبعد نجاح عدوية كانت المطربة الكبيرة وردة تغني لشركة صوت الفن بعقد قيمته 400 جنيها، وقعت معها عقداً بـ4000 جنيه، وأنتجت لها معظم أغانيها في تلك الفترة مثل (في ليلة قابلوه) بخلاف أنني أنتجت لها فيلم (آه يا ليل يا زمن) وأغنياته».

 

 

يحكي منتصر: «إذا كنت قد عرفت المكسب بالمئات من عدوية فقد عرفت عن طريق وردة مكسب الآلاف، وعموماً لا أضع المال والمكسب كأولوية فى حساباتي، كنت قد سجلت المصحف المرتل كله بصوت المقرئ الكبير محمود خليل الحصري، وكان المصحف عبارة عن 31 شريطاً، تكلف مبلغاً كبيراً لم تكن هناك أية إشارات تقول أنه يمكن تعويضه، لكنني كنت مقتنعا بأهمية التجربة، بعد فترة طويلة اشترت مني شركة الخطوط الجوية السعودية ألف مصحف فعوضت ما أنفقته لكنني لم أكن لأحزن كثيراً إذا لم يحدث ذلك».

متقال وصالح وفؤاد

هناك منتج دوره الإنفاق على تسجيل الأغنيات وطبعها، وهناك المنتج الفنان الذي يفتش عن الفكرة والصوت، ويستمتع هو شخصياً بما يقدمه.

ينتمى عاطف منتصر إلى النوع الأخير، فهو مشغول بالفن أكثر من السوق، بدليل أن كتالوج إنتاج شركته لا يضم – بلغة السوق- « نمرة تشبه الأخرى»، فمثلما اكتشف متقال القناوي اكتشف مدحت صالح، واكتشف محمد فؤاد وقدمه بـ«يالا بينا يالا» ليصبح مطرب جيله مثلما قدم هاني شاكر بـ«كده برضة يا قمر» ليصبح مطرب جيله أيضاً.

وسجّل لعمر خيرت موسيقاه، كما القرآن الكريم بصوت الشيخ الطبلاوي، ودخل بفايزة أحمد، وشادية، ونجاة إلى عالم الكاسيت، وقدم تراث سيد درويش باكتشافه إيمان البحر درويش.

صاحب نقلة شرائط الكاسيت في السوق المصري خضع هو شخصياً بعد فترة للتغيير الذي أطاح بشرائط الكاسيت وفرض الـ«سي دي» مكانها، قال وهو يضحك: قلبت شغل الكاسيت سي دهات .. هاعمل إيه يعني؟!




المصدر

كتاب «صنايعية مصر. مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث».

0
0
0
0
0
0
0