يمُر علينا ما يقربُ من عشرينَ عاماً أو يزيد، تُعرف تلك السنوات من زاويةِ التصنيف العمري بمرحلة الشباب وتتميز بالنضوج الجسدي والفكري، تختلف مع مهارات وقدرات كل شخص لآخر.

ومع كل ذلك من اختلافاتٍ بيولوجية وفسيولوجية وتنوع عادات وأعراف البيئة الناشئة وتباين ميول الأشخاص نحو المستقبل، من حيث الدراسة والعمل والتطلعات يتفقُ شبابنا على شيء لا سبيل من المفَرِ تجاههُ، كلاً منا يأمل بحياةٍ سعيدة ممتعة، حياة جديدة مميزة غير التي نعيشُهَا كل يوم في بيتنا برفقة الأم والأب والأخوات بعيداً عن العائلة الكبيرة.

حتى أصدقائنا قد سئمناهُم بعضَ الوقت، مَلَلنا من مسامرة المقاهي وألعاب الشطرنج والبلايستيشن، شعرنا بالخمول من هواتفنا المخلصة التي لا تفارق أيدينا،  حتى في سُكون الليل ونحن نكتب مقالاتنا وأفكارنا التي لا أحد يشاركها معنا سوى أقلامنا، نتفق على الحياة الزوجية، ولما لا  فإنها بالتأكيد حياة أفضل..

زوجتي، أفتقدك

بالتأكيد ليست حياة دراماتيكية يتخلل يومُها مشاهد الأحضانِ والقبلاتِ ونظرات العين التي تَشِعُ منها حرارة الحُب والاشتياق كما نراها كل يوم في روايات وأساطير العُشاق وأفلام ومسلسلات التلفاز.

إنها كأي حياة يَتمحورُ من خلالها مشاعر الفرح أحياناً والحزن غالباً   نتفقُ ونختلفُ في أمورٍ كثيرة، نتخاصم ونتصالح.. ولكن

ما أحلى مشاعرَ الحُزن من زوجةٍ أخطأت في حقِكَ وحقِها، ولا يوجد مثل سعادة حقيقة  تُشاركها مع شخص كثيراً ما انتظرته أن يشارِكَك إياها، وما أسمى من اختلافٍ تجمَعَهُ مودةً وحباً وإخلاصاً للآخر، وكثيراً ما نتفق وتملأُ أوقاتنا السعادة والفرح عندما تتقابل أشعة شروق الشمس مع ضحكات أعيننا عند استيقاظنا مبكراً.

زوجتي، بل حبيبتي،

كم من الوقت أنتظرك وأنا علي يقين أن أنفاسك تجولُ من حولي، تلك المشاعرُ الفياضة التي كُبِتت أعوام وأعوام ليأتي اليومُ التي تمتزجُ  بمشاعرك التي تنتظرها هي الأخرى.

حبيبتي.. كم أنتظر منكِ نظرتك الدافئة في شتائنا صباحاً عندما تُفتَحُ جفون عيني على لقائِك. أنتظر لهفة انتظارك لي عند رجوعي للبيتِ عصراً قادماً يملأ وجهي الهم ويَعبثُ بي إرهاق العمل، تَنظري لي وتَتفوهي ببعضِ رقائق الكلمات التي تُزِيل الهمَ والعبثَ، مع صينة البطاطس وبعض اللحوم التي قد صنعتيها طوال يومك من أجلي  وأتفوه أنا أيضاً واطرِبُكِ بكلماتٍ ترقُص أُذُنَيكِ من سماعِها.. لا أعرف تلك الكلمات؛ ربما تِكُوُنُ الكلمات المعتادة كـ «تسلم ايديكي»، «ربنا يخليكي ليا»، أو ربما كلمات غير اعتيادية.. كلمات فلسفية يرافِقُهَا نظرات رومانسية تتدفق كالماء في فيضانه، أو ربما ضحكات وكلمات تعرف نوعاً مَا مِنَ السخرية غير الحادة بسبب طعم البطاطس المحروق الذي آكُلَهُ  أكل المُضَطر في صحراءٍ يختفي منها الأخضر واليابس أيضاً، وتنظر لي نظرة يملؤها استياء ممزوجٌ بالحب.

كم أتمنى ملامسة يداك الضعيفة والنظر إلى وَجهك الشاحب لونُه  وأعُطي قبلةً رقيقةً لجبينك  وأتلهف مسرعاً أحملُ طفلنا في أول ساعات له في الدنيا بيننا، وألتمسُ فيه روحاً تشبه روحي وَرَوُحُكِ وخلقةً جميلة مثل خِلّقَتِكْ وَ خُلُقِكْ

زوجتي وردةً لكي لن تكفي.

صديقتي.. اسمحي لي

كم مِن الوقت، كنتِ وما زلتي تستمعين لي في أقصى درجات غضبي وفي أدنى حركات أعصابي، كنتِ بجانبي تصغي جيداً لما أقول من كلامٍ فضفاضٍ ينبعثُ من قلبيَّ المهموم الذي ينشرح رويداً رويداً  بعد انتهاء الحديث.

وكم مِن عزائمك التي وَقفت بجانبي وأنا وحيداً أمام دُنيا قد أعطتني ظهرها ولاحت لي بعلاماتِ الرفضِ والفشلِ ومستقبلاً بات غروبه أمراً حتمياً لا مَفَرَ مِنه سوى إليكي،

نَصَائِحُك التي لم تبخليِ بها عني يوماً من أيَامِنا وعقلك النشط كالطفل في،صباحه الدراسي الأول وَسط زملائه الذي لم يمِلُ في التفكير في مستقبلنا.

صديقتي وردةً لكي لن تكفي،

أمي، تحملتي الكثير..

كم مِن ليالٍ شمسية وقمرية قضيتي بجواري، تتألمين لألمي وتدعين لشفائي وتعالجينَ مرضي، كم عدد قطرات دموعك التي انسالت خوفاً من مكروهٍ يُصيبني، أو عدوٍ يتربصُ بي، أو امرأةٍ تخطفني منكِ، وكم من أيام كُنتُ تائه في طريقي  فوجدتُكِ، فأنت بوصلتي أتوجه إليكي في حيرتي، كالطفل الذي يحبي فَيجد السبيل، فأنت سبيلي، بكِ أنتَفع وما الضرارُ إلا في البعد، عنك،

يا أمي أقولها لكِ وبصدق: وردة لكي لن تكفي.

نعم إن زوجتي التي لا أكاد أعرِفُها حتى الآن، هي حبيبتي وصديقتي وأمومتي،  البعض يظنني بمبالغ وأنا بالتأكيد أقول إني شاغف لذلك، وما المانع، أنا أتمنى وأسعى وما الفرق بين السعي والتمني إلا خطوة واحدة تسمى العمل والتوكل على الله. 

فاللهم ارزقنا الزوجة الصالحة

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع
 




8
3
0
0
0
0
0