أحلام بنكهة الطفولة، أمنيات مختلسة من براثن الثوانى تعود لسنوات العمر الأولى، وحنين ملاصق للنبضات يسترق أنفاساً بين الفينة والأخرى ليطل على نوافذ الأمل المشرعة. الأمل بيوم تشب فيه الأمنيات عن طوق التمنى وتتجسد بأرض الواقع.

نظل بهذه الحياة نلهث ونتعثر وتسرقنا ثوانيها من أنفسنا قبل أن تسرقنا ممن نحب، سعيا وراء السراب.

هل حقا تلك الأحلام هى لنا أم أنها نسيج رخو لأحلام من حولنا؟

فكم من يد ترمى بذور حلمها بأرضنا لتنبت نبتة سامة تسرق القوت من أحلامنا الحقيقية، تلك الأحلام التى تتوارى خلف أسوار الواقع.

فكم من متيقنٍ تاهت خطاه ليثبت لمن حوله أنه جدير بتلك الصورة التى فى مخيلتهم نحوه.

كم من أبٍ شوه خطوات بنيه نحو الواقع كى يغرس بهم فرصِه الضائعة، وسنواته التى غادرته موليه.

كم من أم حاربت كى تقتل حلم صغارها فى مهده، طابعة قبلة الموت بجبين مواهبه الغضة الصغيرة. وكم من عابر سبيل ترك بصماته فوق أحلامنا ولو بشطر كلمة فغير معالمها وأطفأ جذوتها وارتحل. ربما هى حمى الإهتمام ونزعات الحب لكل من مروا بحياتنا حبيب كان ام غريب، ولكن من الحب ما قتل.

 أضف إلى ذلك تأثير المجتمع الإنسانى المحيط فى زرع قيم وأحلام وهمية تتخلل عوالمنا، فقد أصبحنا نعيش بعالم مادى أضحت الرأسمالية إلهه ومعبوده الأوحد، و من أبجديات الرأسمالية العمل على إفراغ جيوب الأفقر ليذداد الغنى غنى ويستجلب مزيد من رأس المال الذى يشبه المياه المالحة فلا هو يرتوى ولا هو يكف عن طلبها ولو أغرق سائر الكون.

الخدعة هنا يا صديقى تكمن فى صناعة رائجة هذه الأيام صناعة تسمى صناعة الوهم، الخدعة الكبرى تكمن فى خلق منتجات وإيهام الأفراد بحاجتهم المستميتة إليها، ويستتبع ذلك ربط هذه المنتجات فى مخيلاتهم بالإرتقاء وتسلق بضع درجات بسلم المستوى المعيشى وهل من إصابة بكبد الحلم أصدق من تلك الكذبة الإحترافية!

لقد خلقت الرأسمالية فكرة وغرستها فى خيال أفراد مجتمعنا وبذلك نجحت بكل براعة فى تحويله إلى مجتمع إستهلاكى بإمتياز، وهذه الفكرة هى أنه كلما حصلت على منتجات إستهلاكية أكثر كلما حققت أحلامك الأثيرة وقطعت اشواطاً فى سباق الحياة.

قديما كانت قوانين القوى تتأرجح بين طرفى نقيض ألا وهى العصا والجزرة. أما بعصرنا الحديث لم يعد هناك حاجة للعصا ابداً فالجزرة كافية.

 فيكفى أن أحدثك عن أكبر قوة ناعمة سرقتنا من أنفسنا وشددت الوثاق حول إرادتنا الحرة، قوة السوشيال ميديا بما إستحدثته من إصطلاحات براقة أهمها التريندات وهى اقرب ما تكون إلى الموجة الرائجة قديما. فكما يكون التريند تجد أفواه مبرمجة تردد ذات الكلمات، وتجد نسخ مقولبة من البشر يتشابهون ظاهرا وباطنا كأنك تعيش بمصنع لصك البشر لا مكان فيه لإختلاف أو تنوع، والويل كل الويل لمن يخالف القطيع أو يغرد خارج السرب.

بسهولة وشبه رضى تحول المجتمع بأسره إلى مجتمع مادى تسوقه المادة والسعى خلفها دون نظر للأهمية الحقيقية لهذه الأحلام فى بناء شخصيته وإشباع طموحه بحفنة من الأشياء. نعم هى مجرد أشياء لا ترقى أن توضع بخانة الأمنيات.

لذلك تجد نفسك تعيس يا صديقي، حتى عندما تحقق الأحلام المزعومة وتمسك بتلابيب الحياة تجدها تنفلت من بين أصابعك كالمياه، وتجد بقلبك ظلمة لا تدرى مصدرها ولا منتهاها. فأنت لم تحقق حلما أنت ربه، ولكنك حققت رغبة مؤقتة شُبهت لك ولك فيها ألف شريك.

نحن حقاً بهذه الهشاشة النفسية التى تجعلنا ندفن انفسنا بعوالم الأخر. ونغوص بحلمه حتى النخاع.

نحن نحتاج إلى وقت مستقطع من مطحنة الحياة، نحتاج لأن نقف وقفة مفصلية مع الذات، لنعيد إكتشاف هوياتنا وأحلامنا الحقيقية بعيداً عن زيف المحيطات وضغوطاتها المعنوية قبل المادية. نحتاج لأن نحرق أساطيرا تربينا عليها، أحاطت بنا وسكنتنا كالأشباح.

حينها فقط ربما تتذوق طعم السعادة الحقيقية، حينها فقط ربما تبتسم ملئ قلبك يا صديقي.

هذا المقال مشاركة من كاتبه في إطار مسابقة «شبابيك» التي أطلقها في الذكرى الثانية للموقع




0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال