«أريد أن أرى إسبانيا».. قالها الطفل الصغير لوالده الذي كان قائدا لقوات قرطاجة قبل أكثر من 200 عام من الميلاد.. 

أخذ الوالد الملقب بـ«البرق» ابنه هانيبال إلى معبد الإله «بعل» وطلب من الكاهنة أن تحرق البخور، ثم قال لابنه: «ستسافر إلى إسبانيا، ولكن بشرط.. أن تقسم بالإله أن تطارد الرومان في كل مكان.. في البر والبحر!».

أقسم الابن أن يفعل ذلك، وخرج الاثنان من المعبد وسافر الأبن «هانيبال» من مدينة قرطاجة في تونس إلى مدينة قرطاجنة في إسبانيا، وكان في التاسعة من عمره لتبدأ رحلة أعظم كاره عرفه التاريخ.

بداية الرحلة 

سافر هانيبال من «قرطاجة» لـ«قرطاجنة»، بعدما نذر نفسه لكراهية الرومان ومحاربتهم ما دام حيًا، حسبما جاء في الجزء الثاني من كتاب «أعجب الرحلات في التاريخ»، للكاتب أنيس منصور.

كانت روما قد استولت على كل ممتلكات قرطاجة في البحر المتوسط، وانتزعت جزر كورسيكا، وصقلية، وسردينيا.. «ثم سحبت منهم السفن التجارية أيضا، ولكن ما تزال روما تغار من قرطاجة التي كانت تفخر في يوم من الأيام بأنه لا يستطيع أي روماني أن يغسل يديه في البحر الأبيض دون اذن مكتوب!»

تمر السنوات وهانيبال الذي يحلم بأن يقيم قرطاجة على العرش الذهبي الذي تأملت عليه مئات السنين، يعيش في معسكرات الجنود. ولم ينم في أي منزل أبدًا، بل عاش في القلاع والخيام، ولما قُتل زوج أخته واسمه «الأسد» أو «الأسد الرئبال»، تولى قيادة الجيوش بنفسه وهو في الـ25 من عمره.

ضم هانيبال عددًا ضخمًا من الجنود، وحشد 90 ألفًا من المشاة، و20 ألفًا من الفرسان، و30 فيلًا، وكان يعقد معاهدات مع قبائل مجاورة في فرنسا وإسبانيا.

دهاء هانيبال

 

برع هانيبال في إخفاء الجواسيس، الذين أكدوا له أن الرومان لا يعرفون وجهة نظره. وفي شتاء 219 ق.م احتل مدينة إسبانية لمدة 8 أشهر حتى قتل الناس أنفسهم خوفًا من الوقوع أسرى. وإذا علم هانيبال «الرعد»، بأن بينهم قائدًا أو رجل دين كان يحرص على دفنه مع عظيم الاحترام.

تحركت قوات هانيبال وعبرت جبال البيرانيز بعد معارك عنيفة مع القبائل الفرنسية، ووقف هانيبال أمام نهر الرون واستولى على الزوارق، ثم افتعل معركة وقتل 10 آلاف من أعدائه وسد بجثثهم النهر، وعبر بقواته من فوقهم.

أما كيف انهزم أعداؤه وهم كثيرون فقد أطلق عليهم الفيلة، ولم يكن أحد قد رأى هذا الحيون العجيب من قبل!

وعادة ما يستمع هانيبال لرأي قادة جيشه في سير القتال، وفي إحدى المرات قال له أحدهم: بصراحة. أنت تعرف كيف تنتصر، ولكنك لا تعرف كيف تستفيد من النصر! فقال له: صدقت! ثم أمر بقتله وإقامة جنازة فخمة له ودفنه مع عظيم الاحترام.

وأدرك الرومان أن هانيبال لا يريد إلا روما، وقرر غزو إيطاليا من أصعب الطرق من الشمال، وتحصن أعداؤه بالتلال والجبال نهارًا، والهروب إلى الوديان ليلًا، لإرهاق خيول هانيبال، ولكن جواسيسه كشفوا هذه الحيلة، فكانوا يضربون القوات عند الفجر.

وكان يوافق على تبادل الأسرى، أما الرومان فكانوا يدحرجون له رؤوس ضباطه من فوق التلال، وكان يدفنهم في جنازة مهيبة.

وانتقد مجلس الشيوخ في روما خطة القائد الروماني، وثار الجنود على قائدهم لأنه لم يشتبك مع هانيبال، إلا أنه كان يرى أن هذا القائد ذكيًا، وأن خطة عدم المواجهة جعلته يعاني كثيرًا.

وانتهت مرحلة عبور جبال الألب. ونزلت قوات هانيبال إلى الوديان الدافئة، وعلم «الرعد» من جواسيسه أن روما محصنة تمامًا، وأن مجلس الشيوخ يطالب بهانيبال حيًا.

النصر أو الموت


 

فقد هانيبال 1000 من رجاله، بعدما طلب من الدليل أن يقود القوات إلى قرية كازينوم، وسمعها الأخير قرية كازيلينوم. وهنا أدرك «الرعد» أنه أمام أمرين إما النصر أو الموت، وسط قلة الرجال والمال والقدرات المحدودة، القابلة للنقص في أي لحظة.

ولجأ هانيبال إلى حيلة لتعويض نقص القوات، وأتي بمائة بقرة ولف القماش على قرونها، وأشعل فيها النار، وعندما وصلت النار إلى قرون الأبقار أصيبت بالجنون وانطلقت مسببة حالة من الرعب والفزع وسط قوات أعدائه.

وعادت القوات الرومانية تواجه جيشًا من الإسبان والبدو وبعض القبائل الأخرى التي انضمت إلى هانيبال، ورأى «الرعد» مدينة روما من فوق التلال، ولكنه لم يدخلها، بعدما جاءت إليه رسالة تفيد بتحرك الرومان ناحية قرطاجنة، وأن التجار والحكومة هناك يقفون ضده.

نهاية الرحلة

وانتهت رحلة هانيبال إلى أوروبا بعد 15 عامًا من مطاردة الرومان، وقبل أن يصل قرطاجة علم أن الرومان طلبوا رأسه فهرب إلى سوريا، وأخفاه الملك انتيوخوس في إحدى القلاع، ثم عاود الحرب ضد روما ثم هرب، وطالب الرومان برأسه ثم هرب.

وعلم هانيبال نفسه اللغات اليونانية، والإسبانية، واللاتينية، وكانت له العديد من المؤلفات، ولكنها ضاعت في الطريق، ولا يذكر التاريخ إلا بعض العبارات أو القصائد التي حفظها جنوده.

وسجلت الوثائق الرسمية لمعارك هانيبال أنه أذكى جندي أطاع، وأبرع قائد أمر، وأن التاريخ لم يعرف قائدًا استطاع أن يعتمد على نفسه 14 عامًا في طريق لم يمش به أحد من قبل من أجل تحقيق هدف أو الوفاء بوعد.

 




المصدر

كتاب «أعجب الرحلات في التاريخ»، أنيس منصور.

0
0
0
0
0
0
0