بعد قيامها في سنة 1952 اتجهت ثورة يوليو إلى الفنانين لحصد أكبر عدد من المؤيدين باعتبارهم أحد أهم الطرق السريعة والسحرية للوصول إلى عقول وقلوب المصريين، لاسيما أن الصحف في ذلك الوقت كانت مملوكة لرموز العهد الماضي أو أعداء النظام ما اضطر الثورة إلى تأميمها وتمليكها للاتحاد القومي.

وكان عبدالحليم حافظ أحد هؤلاء الفنانين، وانضم بصورة تلقائية إلى الثورة، وأصبح صوته أحد أبرز أدواتها التي عبرت عما حدث في أهم الفترات التاريخية التي شهدتها مصر والعالم العربي.

 

سفارة متنقلة

وظل جمال عبد الناصر يذكر دور الغناء في حشد التأييد لمبادئ الثورة. وحين تعرضت بعض الصحف لنقد الحياة الشخصية لـ«حليم» بعد ذلك خاطب «ناصر» الصحفيين قائلاً إنه يعتبر العندليب جهازاً إعلامياً وسفارة متنقلة لمصر والقومية العربية التي يدعو إليها وانتقد الإساءات الشخصية له ولأمثاله من الرموز الوطنية، بحسب كتاب «حليم وأنا»، للدكتور هشام عيسى، الطبيب الخاص لحليم.

وكانت الثورة تعتبر الإعلام الموجه لمساندة حركات التحرير العربية في الجزائر، واليمن، وفلسطين هو مدفعيتها الثقيلة، ولم يخيب «حليم» الرجاء فغنى لثورة الجزائر «أرض الجزائر» لبليغ حمدي، وغنى للجنود العائدين من اليمن أغنية «يا حبايب بالسلامة» لمحمد عبدالوهاب.

ويروى أن «حليم» كان قد أصرّ على إدخال بعض الفقرات من خطب عبدالناصر في بداية إحدى أغانيه التي كان يقدمها في عيد الثورة ولم يكن ذلك ضمن ما كتبه مؤلف الأغنية.

وحين بدأت الأغنية بصوت خطب جمال عبدالناصر أخذ يلتفت حوله باحثاً عن مصدر التسجيل، وحين بدأ حليم الغناء بدأ الرئيس الراحل يبتسم وظهرت عليه علامات الإعجاب بهذا التجديد، أما العندليب فقد أحس بسعادة غامرة وبعد ذلك أخذ يقلد «ناصر» أثناء دهشته، وقبل أن يكتشف الحقيقة.

أعياد الثورة

غنى «حليم» في كل أعياد الثورة وأحب ذلك لسبب آخر. إن أسعد لحظات المغنى في حياته هي اللحظة التي تذوب فيها الحواجز بينه وبين جماهيره، ويشعر أنه قد تم اكتشافه من قبلهم، وهي نقطة اللاعودة إلى الفشل وهي لحظة ولادة النجم.

حدث ذلك في عيد الثورة الأول يوم 23 يوليو 1953 حين قدمه يوسف وهبي لأول مرة ليشارك الفنانين المحتفلين بالعيد، فغنى العندليب أغنيته الجميلة «صافيني مرة»، وهي نفس الأغنية التي قابلها جمهور كازينو الشاطبي باستهجان قبل ذلك، وطلبوا منه أن يغني لعبدالوهاب أو لعبدالعزيز محمود بدلاً منها.

كانت الحفلة مذاعة على الهواء وحين وقف «حليم» ليغنيها كان يسجل إصراره على هذه الطريقة الجديدة في الغناء ويؤكد ثقته بنفسه وفنه.

استمع الجمهور إلى الأغنية ثم ضج المكان بالتصفيق الحاد معلنين مولد النجم الجديد. ولم يكن الحضور كثيفاً ولكن مصر كلها استمعت إليه في الإذاعة والتفتت إليه.

نجح «حليم» وبدأت العروض تنهال عليه بالأفلام السينمائية. وكان أولها «لحن الوفاء» مع شادية، والذي خرج للنور في عام 1955، وقبل أن ينتهي من تمثيل الفيلم كان قد تعاقد على فيلم آخر هو «أيامنا الحلوة» مع عمر الشريف، وأحمد رمزي، وفاتن حمامة، ثم فيلم «أيام وليالي» وكلها في نفس العام سنة 1955، ولم ينس العندليب تلك الليلة أبداً وكان يؤمن بالتفاؤل فلم ينقطع غناؤه في عيد الثورة طيلة عهد عبدالناصر.

العندليب وصلاح نصر

أما عبد الحليم فكما كرمته الثورة وأعلت من قدره، فقد أصابته انحرافات بعض المنتمين إليها بسهام جارحة.

حين شاعت قصة حب «حليم» وسعاد حسني وتباينت الأخبار عن الزواج المرتقب، وهل تم فعلاً أم هل سيتم في المستقبل، تلقى «حليم» مكالمة تليفونية من رئيس جهاز المخابرات وقتها صلاح نصر، وكانت السندريلّا قد سيقت قسراً للعمل مع هذا الجهاز في أعمال خاصة كانت تجرى مع شخصيات عربية بغرض السيطرة عليهم سياسياً.

أسرّ صلاح نصر لـ«حليم» أن سعاد متورطة، وأنه يأبى عليه أن يتزوج منها لأنه يحبه ويقدره.

لم يعجب هذا الأمر «حليم»، كما أنه لم يؤثر قيد أنملة على شعوره نحو السندريلا، وعلى العكس سارع بمكالمتها تليفونياً فنصحها بأن تتمرد عليهم، وأن تتوقف عن التعامل معهم مع وعد منه بدعم لها.

لم يمر سوى يوم واحد وإذا بـ«حليم» يتلقى مكالمة ثانية من صلاح نصر. كانت مكالمته مع سعاد حسني قد سجلت طبعاً، وأخذ صلاح نصر يعاتبه ويهدده بخشونة، وطلب إليه أن يحضر للقائه، ورغم أن ذلك سبب قلقاً لـ«حليم» فقد أبى أن يفعل ذلك واتصل بالمشير عبدالحكيم عامر الذي طمأنه وطلب إليه أن يتجاهل ما قاله له صلاح نصر، وأنه سوف يتولى الأمر بنفسه.

وحين عاد صلاح نصر لمخاطبته قائلاً: «لقد أنقذك المشير هذه المرة»، فرد عليه «حليم» بغلظة طالباً منه ألا يعود لمكالمته بعد ذلك أبداً. 

 

آثار النكسة

حين حدثت النكسة لم يصدق «حليم» كما لم يصدق باقي الناس ما حدث، أو على التحديد لم يتبين لهم حجم الكارثة في أول الأمر. وبدأ يغني بحماس منقطع النظير، فقدم الأغنية المشهورة «ولا يهمك يا ريس من الأمريكان»، وهي أقرب إلى شعار خطابي، وحين استمع إليها المسئولون في الإذاعة دار الجدل حول ما إذا كان يسمح بإذاعتها أم تُمنع، وبعد مناقشة الأمر ورفعه إلى جهة أعلى صدر القرار بإذاعتها.

انكشفت الأمور وتبين جسامة ما وقع في 5 يونيو 1967. غنى «حليم» بحزن عميق أغنية «عدى النهار» لعبدالرحمن لأبنودي، وبعد ذلك أقسم أن يبدأ حفلاته الغنائية بأغنية «أحلف بسماها وترابها»، وأن يستمر في ذلك حتى تتحرر سيناء وقد أوفى بوعده.

باستثناء أغنية «عاش اللي قال» ثم أغنية «النجمة مالت على القمر» لم يقدم «حليم» أي أغان وطنية بعد وفاة «ناصر» رغم عمق صداقته وحبه للرئيس الراحل أنور لسادات، وربما لم تتح له الفرصة ليكشف عن رأيه وهو يرى إنجازات «ناصر» تنحسر، والأمور في مصر كلها تتغير فيتغير معها الكثيرون ممن أشادوا من قبل بالثورة وتمتعوا بانتصاراتها.




المصدر

كتاب «حليم وأنا». الدكتور هشام عيسى.

0
0
0
0
0
0
0