لم تعرف المجتمعات البشرية التصفيق لأغراض ترتبط بالغناء والموسيقى أو استحسان شيء ما فحسب، فهناك مجالات أخرى حضر فيها التصفيق بشدة ومثلّ ركناً أساسياً فيها أهمها الدين. «شبابيك» يستعرض علاقة الأديان بالتصفيق.

اليهودية

عرفت المجتمعات العبرانية القديمة التصفيق، وإن اختلفت دلالته وغايته، فهناك إشارات متعددة إلى التصفيق في العهد القديم، تربط التصفيق بمشاعر الفرح الإنساني، وتصفه بأنه فعل محبب للرب.

ففي المزامير يأمر الرب البشر بالتصفيق قائلاً، «أيها الناس صفقوا بأيديكم. ارفعوا أصواتكم على الرب محملة بالفرحة، لكي يُخشى المولى الأجل الأعلى، الملك الأعظم في كل الأرض».

كما ورد التصفيق في العهد القديم أيضاً بوصفه فعلاً مجازياً، لكنه مقترن كذلك بالفرحة. فجاء في المزامير «دعوا الأنهار تصفق بيديها، دعوا التلال فرحة ببعضها أمام الرب».

كما يقول في سفر إشعيا «كل الأشجار في الحقول سوف تصفق بيديها». ومن الواضح أن الدعوة لتصفيق الأنهار أو التنبؤ بتصفيق الأشجار أدخل في المجاز من الحقيقة.

المسيحية


لم يرد نص بخصوص التصفيق في العهد الجديد، لكنه كان معروفاً في الكنائس منذ فترة مبكرة من تاريخ المسيحية. ذكر محررو دائرة المعارف البريطانية أن التصفيق كان منتشراً في الكنائس منذ القرن الرابع الميلادي، وأن هذا الانتشار كان نتيجة تأثر الكنائس في تلك الفترة بتقاليد المسرح اليوناني الذي كان التصفيق أبرزها.

وهكذا اعتاد المسيحيون في تلك الفترة التصفيق للوعاظ الشعبيين استحساناً لبلاغتهم أو أدائهم. وغالباً ما كان يحدث التصفيق في الكنائس في سياقين رئيسين، الأول هو التصفيق الإيقاعي أثناء أناشيد الزواج وأثناء حفلات التعميد، والثاني في مواقف التقدير، وذلك مثل التصفيق للمكرمين أو إثر قول حسن أثناء الوعظ.

ما سبق يعني أن التصفيق في الكنائس القديمة كان يقوم بمهمتين، الأولى ضبط الإيقاع وهي امتداد لوظيفته عند الفراعنة، والثانية إظهار الاستحسان وهي امتداد لوظيفته عند اليونانيين.

قبل الإسلام

عرف العرب في عصر ما قبل الإسلام التصفيق بوصفه ممارسة شعائرية تؤدى أمام الحرم المكي. ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالتصدية في قوله تعالى «وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية» هو التصفيق.

وغالباً ما يتم تصوير عبادة العرب قبل الإسلام عند الكعبة بأنها مزيج من الطواف المصحوب بالتصفيق، ومن المعتاد في الأفلام العربية التي تصوغ تاريخ تلك الفترة بطريقة درامية، أن تصور حشداً من العرب وهو يطوفون حول الكعبة يصفقون ويرددون أغاني للتقرب من الآلهة، وذلك قبل أن يجلس أحدهم ليأكل إلهاً من العجوة، وهو مشهد متكرر في معظم الأفلام التي تتناول تلك الفترة.

الإسلام

اسُتخدم التصفيق في صدر الإسلام أداة للتشويش على المسلمين في بداية دعوتهم، فيذكر المفسرون أن بعض القرشيين ممن عارضوا دعوة النبي محمد (ص) كانوا يصفقون كلما قام ليدعو الناس إلى دينه الجديد، وذلك حتى لا يستطيع أحد سماعه أو التأثر به.

وربما كان التشويش نتيجة ثانوية لممارسة الجاهليين لشعائرهم، لأن التصفيق كان ركناً من هذه الشعائر، ما يعني أن الجاهليين لم يكونوا يصفقون ليشوشوا على النبي، وإنما كانوا يمارسون شعائرهم الخاصة، وكان التشويش منتجاً ثانوياً لهذه الممارسة.

لكن التصفيق تحول على يد بعض المتصوفة من وسيلة للتشويش على المسلمين إلى وسيلة لعبادة بعض المسلمين الذاكرين. ففي حلقات الذكر التي تمتد من النوبة إلى الإسكندرية يقوم آلاف من المصريين بالتصفيق تقرباً إلى الله.


فالذاكرون يتمايلون بأجسادهم يميناً ويساراً، منشدين بأصوات خاشعة «الله.. حي»، وما بين نطق لفظ الجلالة ونطق اسم الله عز وجل يقوم الذاكر بالتصفيق تصفيقة واحدة مكتومة، بينما تكون يداه مرفوعتين إلى أعلى بشكل جانبي.

وبعد التصفيقة يميل الذاكر إلى الناحية الأخرى، وتستمر تلك الحركة الإيقاعية على أنغام أصوات شجية تنشد نهج البردة أو غيرها من المدائح النبوية.

هذا التصفيق الشعائري شهد انتشاراً لدى كثير من فرق المتصوفة ممن يؤمنون بأن جميع أعضاء الجسم تسبح لله، فاللسان تسبيحه الذكر، واليد تسبيحها التصفيق.




المصدر

كتاب «لماذا يصفق المصريون؟».الدكتور عماد عبداللطيف.

0
0
0
0
0
0
0

شارك المقال


صحفي يكتب في التراث والثقافة الشعبية