في 8 ديسمير 2016 نشرت جريدة النبأ الناطقة باسم تنظيم «داعش»، تحذيرا للطريقة الجريرية المصرية التي تتخذ من مسجد الروضة بمدينة العريش شمال سيناء مقرا لها، تضمن تكفير الطرق الصوفية وإهدار دماء منتسبيها.

الخلاف بين التنظيم المنتمي للسلفية الجهادية والطرق الصوفية، يرجع لاعتقاد المتشددين بأن أتباع هذه الطرق يشركون بالله، ويمارسون كفرا بتوسلهم للأولياء.

وتثير هذه الإشكالية تساؤلا عن التأصيل الشرعي لقضية التوسل بالأولياء، وإلى ماذا يستند التيار السلفي الجهادي في تكفير الصوفية؟

محمد بن عبدالوهاب

المطلع على مذكرات مؤسس السلفية الوهابية محمد بن عبدالوهاب، يجد أنه يكتب في رسائله عن الصوفية المعاصرين لزمنه «المشركون» ويشبه استغاثتهم دائما بعبادة الأوثان وهذا موجود في رسائله إلى القبائل التي حاصرها قبل محاربته لمن لم يذعن للحكم الذي دعا إليه مع محمد بن سعود. 

المطلع على مذكرات مؤسس السلفية الوهابية محمد بن عبدالوهاب، يجد أنه يكتب في رسائله عن الصوفية المعاصرين لزمنه «المشركون» ويشبه استغاثتهم دائما بعبادة الأوثان

في فصل التوحيد بكتاب تاريخ نجد لابن غنام وهو تلميذ محمد بن عبدالوهاب، كتب على لسان العلماء دون أن يحدد من هم « يقول العلماء: من غلا في نبي أو رجل صالح أو غير صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني وأجرني وانصرني أو أقض ديني أو أنا فقير إليك، وأنا في حسبك، أو متوكل عليك أو يذبح له أو ينذر له، أو يرجوه أو يخافه فهذا شرك وضلال وجنون وخبال،  يستتاب صاحبه وتقام عليه الحجة فإن تاب وإلا ضربت عنقه».

ويذكر أن عبارة «يا رسول الله أجرنا» التي دعا ابن غنام لقتل قائليها، من أبرز ما يقال في المديح النبوي في مصر، وهي ضمن قصيدة قالها الشاعر عباس الديب وأنشدها الشيخ عبدالعظيم العطواني في الجامع الأزهر.


ثم يتحدث ابن غنام عن شيخه فيقول: وليس هذا الذي بـيّـنه للناس الشيخ محمد بن عبدالوهاب من النهي عن دعوة أهل القبور، والتبرك بالأشجار والأحجار فهمه من تلقاء نفسه دون أن يفهمه أحد من علماء الأمة.

ومما اتهم به المتصوفين أنهم يحجون إلى القبور ووصفهم بالشرك والضلال «وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ، وإن لم يسموا ذلك نسكا  وحجا فالمعنى واحد، وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا حج البيت».

«وهؤلاء الضلال المشركون فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو  موضوعات أو منقولات عمن لا يحتج بقوله».

من صفحة 95 إلى 203 يصف ابن غنام حروب شيخه مع خصومه من أهل القبائل والمتصوفة بـ"الغزوات" ويقول عن جيش شيخه وأصحابه «المسلمون» أو «أهل التوحيد» ضد مخالفيه الذي سماهم «أهل الفجور والشرك» «أهل الضلال»، وحين يرجع أحد من أعوانه عن نصرته يقول أنه «ارتد»، وكان محمد بن عبدالوهاب يرسل إليهم بعد حصارهم يريد أن «يأخذ البيعة على دين الله ورسوله وعلى موالاة من والاه ومعاداة من حاربه وعاداه» هكذا نصا في رسائله كإشارة إلى أنهم ليسوا على دين الله ورسوله.

عودة للتاريخ القديم وابن تيمية

غالبية فقهاء المذاهب السنية الأربعة وكتبهم المعتمدة يبيحون التوسل، ومن كرّهه منهم لم يكفر المتوسلين.

يقول التاج السبكي المتوفي سنة 771 وهو من أبرز المصنفين في علم أصول الفقه ومن فقهاء المذهب الشافعي، إنه لم ينكر أحد التوسل والاستغاثة والتشفع من أهل الأديان ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم بذلك بكلام يُلبس فيه على الضعفاء، ويصف إنكاره بأنه «قول لم يقله عالم قبله».

وبالبحث في مجموع الفتاوى لابن تيمية وجدنا أنه وإن أنكر التوسل إلا أنه لم يكفر القائمين به، فيقسم التوسل والاستغاثة إلى أقسام، يجيز منها أن تسأل الله بالأعمال التي فيها طاعة لله والرسول مثل الإيمان بالنبي ومحبته وموالاته، واستدل بالثلاثة التي في قصة الغار.

وبالبحث في مجموع الفتاوى لابن تيمية وجدنا أنه وإن أنكر التوسل إلا أنه لم يكفر القائمين به، فيقسم التوسل والاستغاثة إلى أقسام، يجيز منها أن تسأل الله بالأعمال التي فيها طاعة لله والرسول مثل الإيمان بالنبي ومحبته وموالاته، واستدل بالثلاثة التي في قصة الغار.

ويرى ابن تيمية عدم جواز سؤال الله ودعائه بمجرد ذات الأنبياء والصالحين -أي بأشخاصهم دون أعمالهم-، وذكر أن هناك علماء أجازوه إلا أنه يرجح عدم المشروعية.   

الفيصل في هذا الأمر أن التيار السلفي المعاصر يعتبر أن التوسل بالصالحين عند زيارة قبورهم بمثابة جعْلهم آلهة وبهذا يكون المتوسل قد أشرك بالله، في حين يعتقد الصوفية أنه مجرد سبب حث عليه القرآن في آية «وابتغوا إليه الوسيلة».
​​​​

أصل التصوف

يطلق عليه علم التزكية أو علم الأخلاق، ويتحقق بأركان أربعة هي «الذكر والجوع والسهر والعزلة»، حسبما جاء في كتاب قواعد التصوف للفقيه المالكي الشيخ أحمد زرّوق.

وعبر الأزمنة تطور المنهج الصوفي إلى طرق متعددة يترأس كل منها شيخ، ولكل طريقة نمط محدد في الأوراد والأذكار وتربية المريدين.




0
0
0
0
0
0
0