بتأثير من حبه لبنت الجيران سافر سمير الإسكندراني في نهاية الخمسينات من القرن الماضي إلى روما لتعلم اللغة الإيطالية، ولكنه لم يكن يعلم أن هذه الرحلة ستكون سبباً في الكشف عن شبكة تجسس إسرائيلية داخل القاهرة.

القصة كاملة رواها طاهر البهي في كتابه «الفنانون والمخابرات».

ربط بين «الإسكندراني» و«يولاندا» عاطفة مشتركة، وكثيراً ما اشتركا في نزهات على كوبري قصر النيل، فأراد أن يتعلم الإيطالية ليجيد التفاهم معها، خاصة أنه أنهى درساته بتفوق في كلية الفنون الجميلة.

ومن أجل عيون «يولاندا» أحب «الإسكندراني» كل ما هو إيطالي، وظفر بمنحة لتعلم الإيطالية في بروجيا – مدينة تبعد عن روما 200 كيلو متر تقريباً - فأتقنها، واستطاع أن يلتحق بمهنة مدرب سباحة للناشئين فقد كان سباحاً ماهراً، ومع ظهوره بقوة في المجتمع الإيطالي شعر بنظرات حقد من بعض الطلبة اليهود بالتحديد.

ولمس ذلك عندما كان الطلبة العرب يحتفلون بعيد الثورة المصرية في إحدى قاعات جامعة بروجيا، وإذا بالتيار الكهربائي ينقطع ليكتشفوا أن ذلك بفعل فاعل، وأن الفاعل هو أحد الطلبة الإسرائيليين.

بداية الرحلة

في بروجيا بدأت خطوات استمالته أو على الأقل تجنيده. كان «الإسكندراني» يلعب البلياردو في نادي الجامعة، ولاحظ رغم انهماكه في اللعب أن شخصاً ما ينظر إليه في اهتمام بالغ، وعندما يلتقي نظريهما فإن الشخص الآخر يبتسم.

من هنا بدأ التعارف؛ جاء الرجل إلى «الإسكندراني» وقال له: أنا سليم.. أدرس الذرة في لندن، فرد عليه قائلاً: وأنا سمير أدرس اللغة الإيطالية في بروجيا.

أول ملاحظة لـ«الإسكندراني» على هذا الشاب أنه يتحدث اللغة العربية بطلاقة، ويحفظ الأمثال الشعبية المصرية عن ظهر قلب، وفي نفس الوقت يجيد ثلاث لغات فضلاً عن العربية هي الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية.

الملاحظة الثانية تتمثل في أن هذا الشاب الغامض يجيد الألعاب السحرية، ومعه سرب من الفتيات رائعات الجمال وأنه ينفق عليهن ببذخ. أما جنسيته فكانت غير واضحة. مرة يقول إنه مصري، وأخرى يقول إنه من أصل يوناني.

ذات يوم طلبت فتاة من مرافقاته أن تراقص «الإسكندراني»، وكانت غاية في الجمال، فقال لها «الإسكندراني» إنها تشبه «أنيتا إيكبرج»، فقالت له: أنت ذكي لقد عرفت بسرعة الشبه بيني وبينها، وأحبته الفتاة وصارحت «سليم» بذلك، فقال لـ«الإسكندراني»: لولا أنك صديقي لقتلتك، فإن «بوسي» أثمن صيد وقع في شباكي.

ما لفت نظر سمير الإسكندراني في «سليم» أنه يحمل جواز سفر أمريكي ولم يكن هذا بالشيء السهل وقتها.

تحري واستطلاع

تطورت العلاقة بين «الإسكندراني» و«سليم» سريعاً. وذات ليلة لعب الخمر برأس الثاني، فأراد «الإسكندراني» أن يكشف سر هذا الشاب الغامض فسأله عن جنسيته فقال له أنه أمريكي، وبدأ «الإسكندراني» يحكي له قصصاً مختلفة وهمية ليوهمه بأنه مطمئن له، فأطلعه «سليم» على مقال في مجلة أمريكية قائلاً له: أنه هو كاتبه، وأنك – أي سمير- تستطيع أن تكتب عشرات المقالات عن مصر وتكسب آلاف الدولارات باعتبار أن ثمن المقال الواحد 700 دولار، وبالطبع لابد وأن يتضمن المقال معلومات، والمعلومات تحتاج إلى تحري واستطلاع.

وفي روما نزل الإثنان في فندق متواضع للغاية اسمه «القمر»، وفي غرفة قبيحة. وفي الصباح نظر «الإسكندراني» للمرآة وكان على وجهه شحوب، وحول الجفون هالة تشهد بالأرق، وتناول طعام الإفطار في ترقب وقلق منتظراً ما سيسفر عنه قدوم «سليم» الذي جاء وأخذه في جولة لرؤية معالم روما.

اختبارات متوالية

في التاكسي الذي أقلهما فاجأه «سليم» بسؤال مباشر: ما رأيك في جمال عبدالناصر؟ راوغ «الإسكندراني» في الإجابة، ليمر هذا اليوم دون جديد.

وفي اليوم التالي جاء «سليم» يصطحب معه فتاتين جميلتين تشبهان مارلين مونرو، وجينا لولو بريجيدا ويتحدثان بإثارة وإغراء. لاحظ «الإسكندراني» أن محور الحديث عن مصر وسوريا (كان ذلك أثناء الوحدة)، فما علاقة فتاتين لعوبتين بالسياسة، وبالسياسة العربية على وجه الخصوص؟

لم يكن «الإسكندراني» يعرف أين يسكن «سليم» في روما، وكان هذا لغزاً آخر، لدرجة أنه سأله ذات مرة: يا أخي أليس من حقي أن أعرف عنوان الرجل الذي ارتبطت به حياتي؟!

والمدهش أن هذه العبارة أعجبت «سليم» جداً لكنه قال في مراوغة: ابق أنت في البنسيون وأنا سأمر عليك كل صباح لنقضي طوال اليوم معاً. وأضاف: يا صديقي ماذا تريد أكثر من هذا. أنت في روما وسط أجمل الجميلات والوقت اللطيف. أليس هذا يكفي؟!

ولكن «الإسكندراني» كان تواقاً لوقت أمتع من هذا عندما يكشف فيه الستار عن نهاية هذه القصة المثيرة التي يعيش فصولها. ورغم ذلك كان حذراً إلى أقصى درجات الحذر، فقد كان يعود إلى غرفته في ذلك البنسيون المتواضع ليستعيد كل كلمة بل كل حرف نطق به «سليم»، ويحلل ماذا يقصد، وهل يشك في أمره.

زاد الأمر إثارة أن «الإسكندراني» كان يشعر بأن هناك من يراقبه داخل الفندق وخارجه، لدرجة أن «سليم» كان يقتحم الغرفة دون أن يطرق الباب وفي أوقات غير متوقعة.

وعندما نجح «الإسكندراني» في الاختبارات المتوالية، جاءه صوت «سليم» عبر أسلاك التليفون: سمير اسمعني. ارتدي أحسن ما لديك وقابلني بعد 10 دقائق في محطة السكك الحديد بروما.

ثم قال له في مزيد من الإثارة: اذهب إلى الميدان الأسباني وامسك نسخة من مجلة «التايم» وادخل المقهى اليوناني. لوح بالمجلة في يدك. عند ذلك سيتلقفك رجلنا الكبير!!!

جواسيس الموساد

عن طريق مسايرة سمير الإسكندراني لهذه الشبكة تم الكشف عن جاسوس تم تجنيده في القاهرة هو إبراهيم رشيد. كانت مهمته رصد تحركات المشير عبد الحكيم عامر أولاً بأول وإرسالها برسائل الحبر السري إلى هاري كافي رئيس المخابرات الإسرائيلية وقتها.

وبعد أن أوقع «الإسكندراني» بأفراد الشبكة كشفت التحقيقات عن تجنيد عامل يوناني يعمل في محلات جروبي بالقاهرة اسمه جورج ايستاماتيو، كان يسعى لتنفيذ عملية دس السم البطيء في طعام الرئيس عبدالناصر ليقتله خلال 6 أشهر.

كانت هناك أيضاً مساعي خسيسة للقيام بعمليات تخريب داخل قاعدة الغواصات المصرية، ومحطات الرادار عن طريق جاسوس قُبض عليه بعد كشف الشبكة اسمه رشاد رزق.

كما اكتشفت المخابرات العامة المصرية أن هذه الشبكة كانت تسعى لاغتيال طيارين مصريين عن طريق جاسوس اسمه محمد سامي نافع.

وكشفت التحقيقات وقتها عن وجود خطة لنشر الشائعات التي تحبط همم المصريين وتزعزع ثقتهم بقياداتهم، وكان يشرف على هذه الخطط مدير المخبارات الإسرائيلية بنفسه، إضافة إلى مكتب الموساد في روما، وباريس، وأثينا، وامستردام، وموينخ، وزيورخ.

وبعد أن نجح سمير الإسكندراني ورفيقه مهندس البواخر المصرية عزالدين نعيمو في كشف هذه المؤامرة بواسطة المخابرات المصرية، استقال مدير المخابرات الإسرائيلية هاري كافي بعد أن وجد الفضيحة الإسرائيلية متصدرة الصفحات الأولى من صحف إبريل من عام 1960.




المصدر

كتاب «الفنانون والمخابرات». طاهر البهي.

5
3
3
0
0
1
0