بعد دخول الإسلام لمصر على يد عمرو بن العاص؛ كانت الفئة الأكبر من المصريين تحرص على تعلم اللغة العربية لأغراض العبادة؛ وحتى غير المسلمين كانوا يتعلمون اللغة العربية للترقي في المناصب الرفيعة في دواوين الدولة، التي كانت تختص بمن يتحدثون اللغة العربية. لكن هل كل هذا يعني أن المصريين بكافة أطيافهم وتحديدًا بسطاء الناس، كانوا في يوم ما يتحدثون باللغة العربية الفصحى؟

في العصور التي تلت الفتح الإسلامي مباشرة، كان المصريون يتحدثون قدر الإمكان بما يسمى بـ«اللغة العربية الدارجة» وهي قريبة جدًا من الفصحى؛ كما يوضح الناقد الأدبي، الدكتور عزوز إسماعيل في حديثه لـ«شبابيك».

ورغم أن البعض منهم حاولوا قدر الإمكان المحافظة على لغاتهم القديمة، لكنها لم تصمد أمام اللغة العربية، بسبب طبيعة العصر والاحتكاك بالعرب واهتمام المصريين المسلمين بتعلمها والتحدث بها، كما يقول «إسماعيل».

كيف انتشرت الفصحى بين المصريين؟

كانت هناك لغات كثيرة منتشرة بمصر قبل الفتح الإسلامي؛ مثل  اللغة القبطية التي اقتصرت على الكنائس، بالإضافة إلى اللغة اليونانية، وحتى اللغة العربية وُجِدت في مصر ولكن بشكل محدود جدًا، عن طريق القبائل العربية التي هاجرت إلى مصر قبل فتح عمرو بن العاص؛ وفقا للناقد الأدبي الدكتور ربيع مفتاح في حديثه لـ«شبابيك».

وعندما دخل العرب مصر بشكل أوسع بعد الفتح الإسلامي، بدأت اللغة العربية تزيح هذه اللغات، وتصبح المسيطرة بسبب التعاملات اليومية والتجارية وعن طريق المساجد والعبادات، كما يقول «مفتاح».

  • اللغة العربية الدارجة

وعندما بدأ المصريون يتحدثون باللغة العربية، وأصبحت هي المسيطرة بين تلك اللغات القديمة؛ حدث أن اللغة العربية امتزجت بتراث المصريين وثقافتهم.

ومن هنا فرض المصريون ألفاظًا جديدة على العربية، وامتزجت بها لهجاتهم المختلفة، وتحورت بعض ألفاظ اللغة العربية؛ ونتج عن كل هذا لغة جديدة هي ما نطلق عليه «اللهجة العامية» كما يقول «مفتاح».

ولكن الفرق بين العربية الفصحى والعامية لم يكن كبيرا لهذه الدرجة، فما حدث هو تحوير في نطق بعض الكلمات أو إدخال كلمات جديدة للغة العربية. يوضح الناقد الأدبي أن: «كلمة مثل «وين» التي نسمعها في صعيد مصر أصلها الكلمة العربية «أين». وكلمة «معلش» التي تقال للمواساة، هي اختصار لجملة عربية هي: «ما عليه شيء».

هل تحدث البسطاء بالعربية الفصحى؟


المجتمع المصري بشرائحه المختلفة أدخل اللغة العربية الفصحى في حياته اليومية، كما يؤكد الناقد الأدبي، ورئيس قطاع النشر السابق بالهيئة المصرية العامة للكتاب، الدكتور شريف الجيار.

البسطاء تأثروا كثيرا بهذه اللغة شفاهة؛ فكانوا ملتزمين بتعلم العربية  ليقرؤوا القرآن الكريم؛ ثم استخدموا الفصحى التي يشوبها بعض العامية في التعاملات التجارية والحياة اليومية.

في هذا الوقت كانت العامية، وليدة الفصحى وامتداد لها، وكانت الطبقات البسيطة تردد الجمل الفصيحة في ثنايا العامية؛ كما يؤكد «الجيار».

متى انحدرت الفصحى لصالح العامية؟

وكان لابد من لحظة انحدار، تنسحب فيها اللغة العربية لصالح العامية التي اتخذت شكلا بعيدا كثيرا عن الفصحى، بداية من العصر المملوكي ثم العثماني، هكذا يستكمل «عزوز» حديثه لـ«شبابيك».

لم يعد الحكام من العرب أو الذين يحرصون على اللغة العربية، فقد كانت اللغة العربية حاضرة في المجتمع المصري بسبب تشجيع الأمراء للأدباء والشعراء وحرصهم على نشر اللغة العربية في الكتاتيب؛ فأما المماليك فقد كانوا «أجانب» من جميع أنحاء العالم، ولم يهتموا إطلاقا باللغة العربية أو حتى بأي علم أو أدب آخر؛ وأما العثمانيون فقد تعصبوا للغتهم التركية على حساب العربية، كما يقول أستاذ النقد الأدبي.

الكلمات الأجنبية بدأت تغزو اللغة العربية بكثرة في هذين العصرين، وأصبحت جزءًا من نسيج اللغة، مثل كلمة «أجزاخانة» من أصل تركي، و«ديوان» ذات الأصل الفارسي.

  • الكلمات الأجنبية ليس عيبا في اللغة

لكن هذه الكلمات الأجنبية الدخلية لا تعد عيبًا في اللغة، كما قد يعتقد البعض. يستكمل «الجيار» حديثه لـ«شبابيك»: «اللغة الحية هي التي تستوعب اللغات الأخرى وتتفاعل معها، فحتى في القرآن الكريم كانت هناك كلمات أجنبية مثل كلمة «استبرق» وهو نوع من القماش باللغة الفارسية».

أما انحدار اللغة العربية فكان لسبب آخر وهو إهمال اللغة والأدب و«تتريك اللغة» والذي أثر عليها سلبًا. فمثلا في العصر العباسي الأول كانت الدولة الإسلامية أكثر انفتاحًا على الثقافة الفارسية، ولم يؤثر ذلك على اللغة العربية بل أضاف إليها، لأنه كان هناك اهتمام كبير بالأدب، وظهر شعراء كبار مثل أبو تمام والبحتري أبو نواس.

الشعر العامي في العصر العثماني

كان أحد الشعراء المصريين الذي يدعى «ابن عروس» من العوامل التي أثرت في انتشار العامية على ألسنة المصريين؛ فقد لعب شعراء العامية في العصرين المملوكي والعثماني دورا كبيرا في سحب البساط من اللغة العربية، كما يقول «مفتاح».

«ابن عروس» شاعر شعبي ولد في صعيد مصر بمدينة «قوص» في محافظة قنا، بدأ حياته كلص وقاطع طريق، وأنهاها كشاعر للعامية وفيلسوف الطبقة الشعبية.

وإن كان بعض النقاد يختلفون على «ابن عروس» وكونه شخصية حقيقية أم لا، لكن الشعر المنسوب إليه، يرينا كيف اتمزجت العامية بالعربية في تلك الفترة.

فنرى  العامية غالبة على هذا الشعر:

أنا باوحّد اللي خلق الناس

خلق مسلمين ونصارى

وناس نايمة على فرش وكناس

وناس على المعايش حيارى

بينما لا تزال الفصحى غالبة على بعض الشعر العامي لابن عروس مثل:

من يبغضك لم يحبك

ولو طعمته حلاوة

السن للسن ضاحك

والقلب كله عداوة

تطور الفصحى والعامية في العصر الحديث

منذ العصر المملوكي ظلت اللغة العربية في انحدار شديد، حتى حدثت النهضة الأدبية في العصر الحديث القرن التاسع عشر على يد الشاعر محمود سامي البارودي، مؤسس مدرسة «الإحياء والبعث» ثم تبعه أمير الشعراء أحمد شوقي، وقد ساعد دخول الطباعة إلى مصر على يد الحملة الفرنسية في هذه النهضة أيضا، كما يوضح أستاذ النقد الأدبي، الدكتور عزوز إسماعيل.

 وفي العصر الحديث نفسه جاء اللبنانيون إلى مصر وأسسوا للصحافة المصرية، متمثلة في مؤسسات كبرى مثل جريدة الأهرام، ودار الهلال، والتي لعبت دورا كبيرا في نهضة اللغة.

كل هذه العوامل أدت لنهوض اللغة العربية والأدب من جديد، أدى إلى تطور في اللغة العامية كذلك والأدب العامي، الذي بلغ ذروته على يد شعراء مثل عبد الرحمن الأبنودي، هكذا يوضح الناقد الأدبي، الدكتور ربيع مفتاح.

  • عاميتهم أقرب للفصحى من الآن

كانت العامية الدارجة على لسان البسطاء في الأزمنة السابقة أقرب للغة العربية من العامية الآن، كما يقول «الجيار».

فالتطور التكنولوجي أثر سلبًا على اللغة العربية ككل، ولم يعد حتى المصريون يكتبون العامية بحروف عربية بعد أن انتشر الـ«فرانكو آراب» كما يفسر «الجيار».

الآن أصبح تحدث المصريين باللغة العربية الآن، مقصورا على فئة المثقفين والأدباء في جلساتهم الخاصة، ولم يعد المصريون يمزجون بالعامية بالفصحى في أحاديثهم اليومية مثل السابق، كما يختم «عزوز» حديثه لـ«شبابيك».




1
1
0
0
0
0
0