في 15 يوليو من عام 1944 نشرت الصحف المصرية خبراً يشير إلى وفاة المطربة «أسمهان» إثر سقوط سيارتها في ترعة الساحل على الطريق الزراعي المؤدي إلى رأس البر، بينما استطاع السائق أن يقفز من السيارة وينجو.

كانت هذه هي نهاية «أسمهان»، ولكنها كانت أيضاً حلقة في سلسلة الألغاز التي أحاطت بالأميرة الدرزية التي أرادت أن يكون لها دور في أحداث سياسية في فترة ملتهبة من تاريخ المنطقة والعالم، فقادها طموحها إلى هذه النهاية المأساوية.

هي آمال الأطرش التي ولدت عام 1912، وعاشت جزءاََ من طفولتها في سوريا على بعد 100 كيلو متر من العاصمة دمشق في جبل الدروز. أبوها هو الأمير فهد الأطرش، وأمها الأميرة عالية المنذر.

عندما مات الأب خلال المقاومة الدرزية ضد الفرنسيين، أخذت الأم أطفالها الثلاثة «فؤاد» و«فريد» و«آمال» وسافرت بهم إلى حيفا، ومن هناك استقلت قطار فلسطين إلى مدينة القنطرة المصرية، لتفتح أمام أولادها عالماً من المجد والشهرة بعد أيام من العذاب والفقر والحرمان.

نجومية وطرد مدّبر

وبحسب ما ذكره طاهر البهي في كتابه «الفنّانون والمخابرات» أرادت «أسمهان» أن تكسر أهميتها من جبل الدروز، باعتبارها أميرة اكتسبت مكانتها من أهمية عائلتها في المنطقة، ومن زواجها من الأمير حسن الأطرش، فسعت – بعد أن أعجبتها لعبة السلطة- لأن تلعب مع الكبار، وساعدها على ذلك ذكاء خارق وطموح زائد لم يستوعب شهرتها الفنية التي حققتها في القاهرة غنائياً وسينمائياً.

بعد طلاقها من الأمير الدرزي تزوجت «أسمهان» من المخرج أحمد بدرخان ولم يستمر هذا الزواج سوى شهر أو أكثر قليلاً، فحصل الطلاق المدبر بوشاية من الملكة نازلي والدة الملك فاروق بعد تشكك الأخيرة في وجود علاقة عاطفية تربط بين أحمد حسين باشا رئيس الديوان الملكي والذي كانت تعيش معه الملكة قصة حب ملتهبة في ذلك الوقت وبين الأميرة الدرزية.

خططت «نازلي» من وراء هذا الطلاق إلى إبعاد المطربة الدرزية من مصر، وعدم تمكينها من الحصول على الجنسية كشرط لبقائها في مصر. وبالفعل تحقق ما أرادت الملكة وأعيدت «أسمهان» إلى جبل الدروز.

المخابرات الإنجليزية

أحست «أسمهان» بالضعف والهوان، فأصيبت بالاكتئاب وفكرت في الانتحار. في ذلك الوقت كانت الحرب العالمية الثانية قد بدأت، وكان الإنجليز يسعون إلى أن يساعدهم الدروز، ومن هنا بدأت العلاقة بينهم وبين الأميرة.

ومن بين 49 كتابا تناولت حياة «أسمهان»، أشارت دراسة كتبها البريطاني نيكولاش فاش إلى أن علاقة «أسمهان» والمخابرات البريطانية بدأت في القاهرة عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، إذ كانت «أسمهان» مطربة مشهورة وكانت العاصمة المصرية في ذلك الوقت – رغم أجواء الحرب – واحة لحياة السلم، حيث كان الضباط البريطانيون يغادرون الصحراء ليقضوا إجازاتهم بها كأنهم يعيشون في الفردوس.

وكانت سوريا ولبنان تحت سيطرة قوات حكومة «فيتشي» الموالية للألمان، وكانت بريطانيا تخطط لدخول الدولتين وطرد تلك القوات عبر الاتفاق مع زعماء جبل الدروز على عدم التعرض للقوات البريطانية عند عبورها الجبل للدخول إلى سوريا والسماح لها بالتقدم دون مقاومة، ومن هنا جاء دور «أسمهان» فقد لجأت إليها المخابرات البريطانية باعتبارها أميرة درزية ومطلقة أمير جبل الدروز حسن الاطرش.

تمثل دورها في إقناع زعماء الجبل لتهيئة الوسائل اللازمة لضمان نجاح تلك المغامرة، ومن أجل نجاح مهمتها قررت «أسمهان» العودة إلى زوجها الأول الأمير حسن الأطرش.

حقيبة الذهب

مضت «أسمهان» في تلك الخطة، بحسب ما ذكرته الكاتبة الفرنسية من أصل لبناني ماري سوارا في كتابها «النيزك.. قدر أسمهان المحتوم». وعادت إلى زوجها عام 1941- كانت قد طُلقت منه 1939- وقررت أن تضع نهاية لحياتها الفنية، وتكريس كل حياتها لأسرتها.

وفي بيروت، في إحدى السهرات الكبيرة ظهرت «أسمهان» للمرة الأولى في زراع زوجها الذي أصبح بعد ذلك بفترة وزيراً للحرب، وقابلت الجنرال شارل ديجول أثناء مروره بالشرق الأوسط، وقيل إنه التقى بها في مباحثات مهمة لوقت طويل وأنه أعجب بها وبجمالها وبثقافتها.

وفي تلك الأثناء كانت الأميرة مستمرة في علاقتها بالمخابرات البريطانية، فاستطاعت إقناع مشايخ القبائل وكبرائهم بعدم التورط في الحرب. كان المقابل حقيبة مملوءة بالذهب تلقتها من البريطانيين، ووزعتها على المشايخ.

ويبدو أن أسلوب حياة الأميرة لفت أنظار السلطات التابعة لحكومة «فيتش» في سوريا والموالية للألمان، فرصدتها عيونهم حتى صدر أمر باعتقالها.

هربت «أسمهان» بمساعدة أحد أمراء البدو بعدما تنكرت في زي عبد من عبيده، بأن طلت وجهها ويدها باللون الأسود. وصلت إلى حدود الأردن ثم فلسطين حيث سلمت المعلومات التي لديها إلى الجنرال «باص». وبعد يومين فقط زحفت قوات الحلفاء حتى تمكنت من دخول سوريا ولبنان وطردوا منها حكومة «فيتش».

رافقت «أسمهان» قوات الحلفاء في زحفها على سوريا ولبنان، فقدر لها الإنجليز هذا الدور المهم. وكذلك صنعت لنفسها مكانة لدى الفرنسيين فانهالت عليها المكاسب وأصبح لها سلطة ونفوذ، فأصبحت تتوسط بين شويخ القبائل وبين سلطة الاحتلال في بعض الأمور، ووعدها الإنجليز بالرحيل إلى مصر بعد هدوء الأمور.

نهاية الرحلة

انغمست الأميرة في حياة الترف والبذخ والسهر والشراب، ما دفع الجميع للتساؤل عن مصدر هذه الثروة التي هبطت عليها، وجعل الجنرال «باص» بالتبعية ينقلب عليها ويفقد حماسه لها بسبب إدمانها للخمر الذي يتنافى مع التحكم في النفس وفي اللسان الذي يمثل أبجديات العمل بالمخابرات.

شرع «باص» في التخلص منها بكل هدوء. كان يعرف أنها قوية النفوذ بالنقود التي يمنحها لها فقبض يده عنها. بدأت «أسمهان» تشعر ببوادر الإفلاس، ولكن هذا لم يثنها عن بذخها لأن الجنرال الفرنسي «كاترو» وثقّ علاقته بها لاستمالتها ولكن المال الذي كانت تتقاضاه من الفرنسيين لم يكن يغطي مصاريفها.

عدو آخر ظهر لـ«أسمهان» في تلك الفترة. حدث أن أوهمت صحفي أمريكي بأنها على استعداد للتعاون مع الألمان، ثم استدرجته داخل قطار حتى ألقى الإنجليز القبض عليه، فخلقت لنفسها عداوة أخطر مع الألمان.

وقيل إنها حاولت الانقلاب على مخابرات بريطانيا وفرنسا واللعب مع الألمان ضدهما، بعد أن قل تقدير الأولى لها، ومن ثم أصبح الخطر الذي حاق حولها أشد واعنف.

كل هذه المعطيات أحاطت بالتفسيرات التي حاولت التوصل لقاتل الأميرة الدرزية. ذهب عزيز المصري باشا في مذكراته التي صاغها محمد عبدالحميد تحت عنوان «أبو الثائرين عزيز المصري» إلى أن الإنجليز انقلبوا عليها ودبروا حادث مصرعها بالقرب من المنصورة، ثم روجوا لشائعة أن أم كلثوم وراء مصرعها.

وفي حين أشار البعض إلى المخابرات الفرنسية، وألمح آخرون إلى المخابرات الألمانية، بينما أكد البعض أنها الملكة نازلي التي سيطرت على علاقتهما العداوة والغيرة الشديدتين.

 




المصدر

كتاب «الفنانون والمخابرات». طاهر البهي

1
1
0
0
2
0
0