لم تكن فاتن حمامة بعيدة عن ترصد المخابرات العامة المصرية بقيادة صلاح نصر، التي حوالت تجنيدها في الستينيات، مثل غيرها من فنانات ذلك الجيل.

غير أن سيدة الشاشة العربية قررت أن تنهي القصة بطريقة مختلفة، وتقرر الهرب خارج مصر، خصوصُا بعد المضايقات التي تعرضت لها ومنعها من حضور مهرجانات فنية بالخارج، بسبب موقفها من ثورة يوليو 1952.

سفر فاتن حمامة وتصفية أعمالها بمصر

في أواخر الستينيات، كانت فاتن حمامة تستعد لتصفية أعمالها وممتلكاتها بمصر للسفر إلى الخارج؛ فبعد مسيرة حافلة من عشرات الأفلام السينمائية ومساندتها لثورة يوليو وجمعها تبرعات للجيش المصري.. قررت السفر في رحلة بلا نية للعودة، على الأقل في المستقبل القريب.

ولم تكن رحلتها سهلة إطلاقًا، فقبلها بوقت قصير كانت ممنوعة من السفر أو المشاركة في المهرجانات العربية والأجنبية، لكنها نجحت في السفر أخيرًا إلى بيروت في العام 1966.

ومنذ رحيلها عن مصر تنقلت فاتن ما بين بيروت ولندن وفرنسا.. أخذت معها طفليها طارق ونادية لتسجل لهم بمدارس بالخارج.. وبين حين وآخر يزورها بعض المخرجين ليعرضوا عليها أعمالًا سينمائية، التي تصورها بالخارج أيضًا، مثل فيلم «الحب الكبير» الذي تشاركت فيه البطولة مع فريد الأطرش عام 1963.

وهناك حققت نجاحًا على المستوى العربي العالمي، فكان من ضمن أفلامها «رمال من ذهب» وهو إنتاج لبناني وإخراج يوسف شاهين، والذي تم تصويره بين لبنان والمغرب.

  • هل هربت فاتن حمامة من مصر؟

الكثير من القصص تحدثت عن سفر فاتن حمامة خارج مصر بعد نكسة 1967 مثل الكثير من الفنانين بحثًا عن «لقمة العيش» بتصوير أفلام في الوطن العربي.. لكن حالة سيدة الشاشة كانت مختلفة.

«كان هناك خوف.. الكثير من الخوف.. زوار الفجر على سبيل المثال».. هكذا تعترف «فاتن» في حوار لها مع الصحفي «مجدي الجلاد».

فعندما حدثت النكسة كانت فاتن حمامة في فرنسا.. «كنت مكسوفة أنزل من البيت عشان انهزمنا».

فاتن حمامة كانت مؤيدة لثورة يوليو قلبًا وقالبًا، شاركت في قطار الرحمة وغيرها من الحملات لجمع التبرعات للجيش المصري وتوزيع الإعانات على الفقراء في ربوع مصر، ولكن ما تلا ذلك من أحداث جعل رأيها يتغير تمامًا.

«مكنتش من أصحاب الأملاك، لكن شوفت ناس كتير اتظلموا بسبب فرص الحراسات ومصادرة أموالهم.. ناس بتتاخذ من بيوتها للسجن وهي ملهاش في حاجة.. كان فيه خوف ومفيش حريات.. لو تفتكر زوار الليل.. كان فيه رعب».

لكن السبب الحقيقي كان أكبر من مجرد خلاف مع الثورة، وهو محاولة تجنيدها لصالح المخابرات.

محاولة تجنيد فاتن حمامة

هربت من محاولت تجنيدها من قبل مدير المخابرات صلاح نصر، الذي عرف عنه في ذلك الوقت تجنيده للفنانات.

كانت هناك أكثر من محاولة لتجنيدها؛ منها أنه ذات يوم زارها أحد ضباط المخابرات وقدم لها كتبًا عن الجاسوسية، وطلب منها أن تضع «مايكروفونات» في منزلها، الذي يقصده شخصيات شهيرة من فناناين وسياسيين، وهو الأمر الذي رفضته فاتن، وهربت بسببه من مصر، كما ينقل كتاب «مسائل شخصية» لمصطفى أمين.

«وأنقذ القدر 4 فنانات من قبضة صلاح نصر، بعد أن فرض حولهن شباكه، فقد بذل جهدًا كبيرا للسيطرة عليها وتجنيدها لاستغلال شهرتها في الدول العربية.. شعرت فاتن بما يدور حولها، وبدأت تتصرف بسرية شديدة وقررت أن تصفي كل أعمالها وثروتها وتهاجر إلى باريس»... هكذت تحكي الواقعة اعتماد خورشيد في كتابها «شاهدة على انحرافات صلاح نصر».

  • التعتيم على محاولة تجنيد فاتن حمامة

«متجرنيش في الكلام».. هكذا تنهي فاتن حمامة حوارها عن عهد عبد الناصر مع الصحفي «مجدي الجلاد». فرغم أن فاتن حمامة تنتقد نظام عبد الناصر لكنها لم تتحدث صراحة عن محاولة تجنيدها، وكل المنقول عن هذه القصة يعتمد على حكاية «خورشيد» و«أمين» وبعض النصوص التي قيل أنها تسربت في ذلك الوقت للصحافة الفنية في شكل حوارات صحفية؛ إلا أن زوجها السابق عمر الشريف، يعترف أنه تعرض هو نفسه للتجنيد من قبل المخابرات.

وفي تلك الفترة، كانت الخلافات بين فاتن حمامة وعمر الشريف، تأخذ طريقها نحو حياتهم الزوجية، لكن كان التعتيم على هذه الخلافات مقصودًا، حتى لا تتحدث الصحف عن شائعات للانفصال، وتستطيع فاتن الهرب، فقد سافرت خارج مصر بحجة أن تلحق بزوجها في باريس؛ كما تقول «خورشيد».

عودة فاتن حمامة بعد وفاة ناصر

لم تعد فاتن إلى مصر قبل العام 1972، كان عبد الناصر قد توفي قبل ذلك بعامين، أما صلاح نصر، فكان يقضي عقوبته في السجن بعد محاكمته في القضية الشهيرة المعروفة بـ«انحرافات المخابرات» بعد نكسة 1967 الذي حكم عليه فيها بالسجن 15 عامًا وغرامة 2500 جنيهًا، وكانت زوجته اعتماد خورشيد شاهدة ضده في المحكمة.

«قررت ألا تعود إلى مصر مادام فيها صلاح نصر، مدير المخابرات» هكذا يحكي مصطفى أمين في كتابه.

وبعيدًا عن فاتن حمامة فقد اعترف صلاح نصر في مذكراته، بتجنيد النساء والفنانات لصالح أعمال التجسس، وأنه أسلوب متبع في العالم كله، وكان يتم تصوير هؤلاء النساء في أوضاع غير لائقة بهدف السيطرة عليهم، وضمان ألا يتراجعن عن تعاونهن مع المخابرات.

ورغم ذلك وصف صلاح نصر  قضية «انحراف المخابرات» بالفتنة الكبرى التي تدخلت فيها أطراف «مرتزقة» لتشويه صورة المخابرات؛ كما جاء في مذكراته التي صورت حوار بينه وبين الكاتب والمؤرخ عبد الله إمام. 



1
0
0
0
1
0
2