الدموع هي البداية، وكانت الأحزان والمرض هي النهاية، وفيما بين دموع وآلام عاش عبدالفتاح القصري «الأمي» الذي دخل مدرسة «الفرير» لكنه لم يتعلم شيئاً، والجواهرجي الذي ترك الذهب ولمعانه من أجل بريق الشهرة.

بهذه الفقرة تختزل أمل عريان فؤاد في كتابها «الضاحكون الباكون» حياة نجم الكوميديا الراحل الذي ذاق طعنات الحب الأول، فكمد حبه في صدره، وانطلق يفتش عن موهبته بين خشبات المسرح الذي أذاقه الهوان، فاكتشف أنه ممثل كوميدي مع أول صفعة من جورج أبيض فأضحك الجمهور.

شخصية فريدة

رسم «القصري» لنفسه شخصية فريدة في تاريخ الكوميدية العربية، سواء من خلال مشيته المميزة، وطريقة حديثه العفوية والبسيطة، التي غلفتها شخصية ابن البلد الذي يعود الفضل في اكتشاف تفوقه بها إلى نجيب الريحاني.

أصبحت تلك الشخصية هي مفتاح نجاح «القصري»، فكان أفضل من مثّل شخصية القهوجي، والجزار، والحانوتي، والبقال، وغيرها من شخصيات أبناء الحارة الشعبية.

وقد لعبت العديد من العوامل دورها في تكوين شخصية «القصري» الكوميدية، وأهمها شكله وبناؤه الجسماني سواء قصر قامته أو حول عينيه. كما أن نشأته في حي الجمالية الشعبي وعمله مع والده بحي الحسين كصائغ أعطى له الفرصة ليصطبغ ويعيش بين أهل الحارة الشعبية، ويختزل في ذاكرته شهامة وذكاء وفهلوة وصفات أبناء البلد، ما ساعده في رصد حركات وتعبيرات أبناء الحارة الذي اكتسب منهم خفة الظل وفن النكتة.

فقدان البصر

ومثلما كانت صفعة جورج أبيض هي أول علامة له على طريق الفن، كانت يد إسماعيل ياسين هي آخر يد تمسك به عندما فقد بصره ولم ير الباب فارتطم بالديكور، وكاد أن يسقط على الأرض، ولم يفهم الجمهور فضج بالضحك والتصفيق على المشهد، وأكمل الدور وهو يبكي وينتحب، وعندما أسدل الستار إنفجر صوته بالبكاء وهو في أحضان إسماعيل ياسين وهو يودعه «هذه هي آخر ليلة معكم».

وحين تم نقله إلى المستشفى للعلاج تبين أن سبب فقدانه لبصره هو ارتفاع مفاجئ في نسبة السكر. وظل القصري خاضعاً للعلاج حتى عاد له بصيص من البصر بعد ثلاثة أشهر من العلاج.

جحيم الزوجة

لم يكتفِ القدر بصدمة فقدان البصر يكيلها للفنان الكوميدي ليخرج من المستشفى ليجد في انتظاره مأساة أخرى بعد أن أجبرته زوجته الشابة على تطليقها، بل وأجبرته على أن يكون شاهداً على زواجها من صبي البقال الذي كان يرعاه لمدة 15 عاماً.

أقام الزوجان في شقة «القصري» وهو صامت لا يستطيع أن يفعل أي شيء بعد أن أفقدته الصدمة صوابه ليدخل في مرحلة الهذيان. وزاد الأمر سوء حين خشيت زوجته من أن يثير لها المشاكل، فقررت حبسه في المنزل ومنعت أي زيارة له، ولم يكن هناك متنفساً لـ«القصري» إلا نافذة منزله بشارع السكاكيني.

وحين وصلت مأساة «القصري» لزملائه لم يتحرك الكثيرون، فقامت كل من الفنانتان ماري منيب ونجوى سالم بزيارة في منزله المتواضع بعد معاناة في مقابلته بسبب رفض مطلقته للزيارة بحجة أنه غير موجود، إلا أنها في نهاية الأمر سمحت لهما بمقابلته مدعية أنها تعامله معاملة جيدة.

كان «القصري» في مرحلة الهذيان حتى أنه فقد ذاكرته ما دعا زملائه لإلحاقه بمستشفى الدمرادش، وبعد أن تحسنت صحته بعض الشيء عاد إلى منزله ليكتشف أن زوجته باعت أثاث منزله وتركته على البلاط.

نهاية المشوار

تسببت هذه الصدمة في دخوله مستشفى القصر العيني، حيث ثبت إصابته بتصلب في الشرايين أثرّت على أجزاء كبيرة من المخ، ما أدى إلى فقدانه الذاكرة وإصابته بالهذيان. وخرج من المستشفى ليجد مأساة أخرى في انتظاره. تم تشميع مسكنه تمهيداً لإزالته، ليجد القصري نفسه مريضاً معوزاً بلا مأوى.

 

وحين علمت الفنانة نجوى سالم بالأمر سارعت بمخاطبة الجهات المعنية حتى قررت نقابة الممثلين صرف إعانة عاجلة قدرها 20 جنيهاً إضافة إلى معاش شهري قدره 10 جنيهات، كما سعت لدى المحافظة لتوفير مسكن لـ«القصري»، وبالفعل حصلت له على شقة في منطقة الشرابية إيجارها 280 قرشاً في الشهر.

تعاون الفنانون في جمع تبرعات لعلاجه، إلا أن مأساة المرض والحاجة ظلت تحاصر «القصري» حتى وفاته في 8 مارس 1964 بمستشفى المبرة، ولم يكن في جنازته أي فنان، ولم يمشِ بها إلا عدد قليل من أهل الحي الذي كان يعيش فيه. 

 




3
0
0
0
0
12
0