في الإسكندرية وخلال الفترة بين عامي 1921 و1960 ظهر عدد من السفاحين الذين أثاروا جدلاً بين المصريين بسبب جرائمهم، وفي حين رآهم كثيرون مجرمين، تعاطف البعض معهم وحسبهم أبطالاً، في حين نظر إليهم آخرون باعتبارهم خارقين. مصطفى نصر استعرض في كتابه «الإسكندرية مدينة الفن والعشق والدم» حكايات هؤلاء السفاحين.

ريا وسكينة

ظهرت ريا وسكينة في حي اللبان عام 1921، وحكايتهما معروفة ومشهورة، وادعتا أنهما تعملان لصالح مصر على أساس أنهما تختاران للقتل السيدات السيئات لتنظفا البلد منهن.

ظل منزلهما «5 شارع محمد يوسف فخر، الذي كان اسمه في الماضي ماكوريس» مهجوراً حتى منتصف الخمسينات، ولم يجرؤ أحد على السكن فيه بعد أن انتشرت الشائعات بأنه مسكون بالأشباح، حتى سكنه أحد الفتوات الذي أطلق الناس عليه «محمود ابن ريا» لشهرته الواسعة في الإجرام وعدم قدرة الناس على مواجهته.

كان «محمود» يدخل البيت ليلاً ويبيت فيه ويخرج بقطع الرخام التي كانت تشكل أرضية المنزل ليبيعه. ونتيجة لذلك انهار المنزل عليه وقام أهل الحي بإخراجه ونقله إلى المستشفى الأميري، ثم توفي بعد الحادث بأيام قليلة.

بيعت أرض البيت بمبلغ 60 جنيهاً، وبُني مكانه منزل من 5 أدوار، وسكنه الناس غير خائفين. الغريب أن هذا البيت أصبح مزاراً سياحياً، فعربجي الحنطور يأخذ السياح من أمام البحر يطوف بهما حول قلعة قايتباي والأحياء المائية، وزنقة الستات، ثم يذهب بهم أخيراً إلى بيت ريا وسكينة في حي اللبان.

حسن قناوي

في عام 1947 تحدثت الصحف عن الرجال الذين يختفون في ظروف غامضة، إلى أن تم إنقاذ آخر ضحية لحسن قناوي من الموت وتم القبض عليه بعد اكتشاف 4 جثث لأشخاص آخرين مدفونين في حدائق الشلالات.

لكن القاضي أحمد بك الخازندار لم يقتنع بالأدلة التي تدين «قناوي» في قتل الأربعة، وحاكمه في قضية الشروع في قتل من تم إنقاذهن فدخل «قناوي» السجن لمدة 7 سنوات.

بعد سنوات اكتشف أمر «قناوي» فادعى أن كل جرائمه كان ورائها الأمير سليمان داوود أحد أفراد أسرة الملك فاروق، الذي كان يستخدمه في التخلص من معارضيه، ومن الذين يسببون له قلقاً أو مشكلات.

ويتردد أن هذه الجرائم تمت بسبب الشذوذ الجنسي، فقد كان «قناوي» يعتدي على ضحاياه جنسياً ثم يقتلهم ويدفنهم في حديقة الشلالات.

سفاح كرموز

شغل سعد إسكندر «الشهير بسفاح كرموز» الناس في مصر لمدة 6 سنوات كاملة من عام 1948 إلى عام 1953، بعد سلسلة الجرائم التي ارتكبها خلال هذه الفترة. فقد كان شاباً وسيماً وعلى علاقة غير شرعية بامرأة تسكن حي «الباب الجديد».

بعد مجيئه من محافظته أسيوط ساعده أقاربه الذين يعيشون بالإسكندرية في استئجار شونة لتخزين الغلال ومنتجات القطن على ترعة المحمودية، ومارس التجارة فيها لعدة سنوات. لكن لحاجته الشديدة للمال وربما ليرضي عشيقته استخدم الشونة في اصطياد ضحاياه من السيدات والتجار الأثرياء، فذبحهم وسرق ما معهم من أموال ومجوهرات، ثم دفنهم في شونة الغلال. وبلغ عدد ضحاياه قرابة 7 أفراد من الجنسين.

ضُبط «سعد» وقُدم للمحاكمة وحُكم عليه بالأشغال المؤبدة مرتين، ثم صدر حكمان بالإعدام، ونُفذ الحكم في فبراير 1953. كان آخر ما طلبه وهو في غرفة الإعدام كوب ماء وسيجارة، ثم ابتسم ابتسامة غير مفهومة وهو يواجه حبل المشنقة وكأنه في حفل عُرس.

سفاحا المشتل

محمد عبدالعزيز وأحمد علي حسن بستانيان يعملان في حدائق محطة قطارات الإسكندرية في منطقة يطلقون عليها «المشتل» تقع في منطقة المناورة، حيث تتوقف القطارات للحظات حتى يسمحوا لها بالمرور إلى الرصيف الذي سيقل راكبي القطارات.

كان من النادر أن يمر بالمنطقة إنسان لأنها كانت مقطوعة. قرر «محمد» و«أحمد» أن يقتلا كل من يمر أمامهما ويأخذان ما معه، ثم يدفناه في أرض المشتل.

تم القبض عليهما في عام 1955، وترافع عنهما محام مشهور في الإسكندرية اسمه وليم اسكاروس، وكاد أن يحصل لها على البراءة، لولا أن تقدمت امرأة وشهدت ضدهما. حكم القاضي بإعدامهما، وقد دخلا حجرة الإعدام محمولين من جنود السجن منهارين وكأنهما ماتا قبل أن يشنقا.

محمود أمين سليمان

كانت الصحف تقول عنه إنه هرب من السجن، حيث كان يقضي عقوبة السرقة، وقد هدد بقتل زوجته نوال عبدالرؤوف ومحاميه بدرالدين أيوب لظنه بأن هناك علاقة آثمة بينهما. وأنه كان يريد قتل عديله جمال أبوالعز لاعتقاده بأنه أبلغ البوليس عنه، وموظف اسمه محمود سليمان لظن السفاح بأنه على علاقة بأخته.

تحدثت الصحف أيضاً عن ذهاب السفاح إلى فيلا أم كلثوم بالقاهرة، حيث كانت ستغني أغنية «أروح لمين» في مسرح سينما الهمبرا بالإسكندرية، وبعد أن اطمأن إلى أنها بدأت الغناء، تسلق أسوار الفيلا في الزمالك، لكن الحراس ضبطوه واقتادوه إلى قسم الشرطة، وعندما عادت «الست» من الإسكندرية، أرادت أن تخلصه من تهمة السرقة، لكن الشرطة أصرت.

وفي رواية أخرى أنه تسلق أسوار الفيلا، وقابل أم كلثوم وطلب منها أن تغني أغنية «أروح لمين» التي كانت مشهورة في ذلك الوقت.

استوحى نجيب محفوظ رواية «اللص والكلاب» من حادث سفاح الإسكندرية محمود أمين سليمان الذي شغل الأذهان وجعلت منه تهويلات الصحافة بطلاً خارقاً قادر على كل شيء، فكانوا يقولون إنه يستطيع القفز من عدة أدوار دون أن يصاب بسوء لأنه خلع عظمتي ركبتيه في عملية جراحية. وبعد مقتله على يد الشرطة كتب البعض على جدران الحوائط في الإسكندرية «السفاح عاش بطلاً ومات بطلاً».




المصدر

كتاب «الإسكندرية مدينة الفن والعشق والدم». مصطفى نصر.

1
0
0
0
1
1
1