في 15 أكتوبر سنة 1926 كان عالم المومسات والقوادين في القاهرة على موعد من الحزن بسبب وفاة زعيمهم إبراهيم الغربي، وذلك أثناء تنفيذه عقوبة بالحبس 5 سنوات بدأت في منتصف عام 1924، وبلغ الأمر بـ«رسل باشا» قائد البوليس في القاهرة على القول تعليقاً على موته: «كان على المومسات وقد حُرمن من الملك، أن يبحثن عن حُماة آخرين الذين بدونهم رغم وحشيتهم، تكون المومس في كل مكان في العالم ضائعة وعاجزة».

لكن ما هي قصة هذا القواد؟ وكيف كان يصطاد النساء ويغويهن للعمل بالدعارة؟ وكيف كان يستدرج الرجال الراغبين في المتعة الحرام؟ الإجابة في كتاب «ذات يوم.. حكايات ألف عام.. وأكثر» عن كل هذه الأسئلة.

سلطة مذهلة

كان لهذا الرجل سلطة مذهلة، امتد نفوذه في محيط السياسة والمجتمع الراقي. كان شراء وبيع النساء للمهنة في كل من القاهرة والأقاليم في يده كلية، ولم يكن قراره بالنسبة إلى السعر يقبل المناقشة.

ترتبط قصة «الغربي» بقصة نشاط البغاء في مصر بقوانين منظمة بدأت من نهايات القرن الـ19، عندما أصبح هذا القادم من «كورسكو» بمركز الدر بأسوان ملكها منذ عام 1896 حتى رحيله، وكان والده يعمل بتجارة الرقيق المحرمة في مصر منذ عام 1870.

يصفه «رسل باشا» وفقاً لما جاء في كتاب «مجتمع القاهرة السري 1900 – 1951» للدكتور عبد الوهاب بكر: «نوبي ضخم الجثة سمين، يجلس كل مساء على مقعد خارج أحد منازله بشارع عبدالخالق، واضعاً ساقاً على ساق، مرتدياً ملابس النساء، ومنتقباً بنقاب أبيض. كان هذا الفاسد الكريه يجلس كالصنم الآبنوسي الصامت، ويخرج في العادة يداً مغطاة بالجواهر ليقبلها أحد المارة من المعجبين، أو معطياً أمراً صامتاً لأحد أتباعه من الخدم».

يضيف «رسل»: «كان لهذا الرجل سلطة مذهلة، امتد نفوذه في محيط السياسة والمجتمع الراقي. كان شراء وبيع النساء للمهنة في كل من القاهرة والأقاليم في يده كلية، ولم يكن قراره بالنسبة إلى السعر يقبل المناقشة».

في عام 1896 استأجر «الغربي» منزلاً كبيراً في «الوسعة» لتشغيل البغايا، ثم اقتنى مقهى بلدياً تعرض فيه الراقصات رقصات خليعة تستفز الغرائز. وفي 1912 امتلك 15 بيتاً للبغاء في الأزبكية، وكانت تعمل فيها 150 امرأة، وأصبح اسمه يقترن بمملكة البغاء في القاهرة مع بداية الحرب العالمية الأولى.

قوانين خاصة

تعرض للاعتقال مع عدد من المخنثين المنتشرين بحي الأزبكية عام 1916، وأفرج عنه عام 1918، وفي كتاب «البغايا في مصر – دراسة تاريخية اجتماعية من 1834 – 1949» يقول الباحث عماد هلال: «إن القوادين والبغايا نصبوه سلطاناً على عالمهم بعد الإفراج عنه، وألبسوه تاجاً ذهبيا مرصعا بالألماس والزمرد والياقوت، وتربع على عرش تجارة الدعارة والفسق، وحكم مملكته بديكتاتورية صارمة، وكان يسن قوانينه الخاصة، ويشرف على تنفيذها، ويعاقب من يخالفها».

وبحسب «هلال»: «جعل الغربي من أحد بيوته سجنا وحول غرفه إلى زنزانات حقيقية، وكان يحكم فى بعض الحالات بإعدام ضحيته، فيتم رميها في غرفة تحت الأرض حتى تموت جوعاً، واستفحل أمره بعد الحرب (العالمية الأولى)، وأصبح له وكلاء في عواصم أوروبا يستورد عن طريقهم البغايا من كل الأجناس، وكان يدعو الأجانب للتسلية، ويقيم لهم معرضا للفجور والفحش، ويحشر إليه طائفة من الجنسين، يفعلون الفاحشة على طرق متنوعة كأقصى ما وصلت إليه الرذائل، وامتد سلطانه فشمل بغايا مصر كلها».

إغواء القاصرات

أصبح «الغربي» حديث الرأي العام عام 1923، حين قدم النائب العام محمد إبراهيم باشا بياناً نشرته صحيفة الأهرام في 23 ديسمبر عن قضية بدأت وقائعها بتحقيقات أجرتها نيابة السيدة زينب في بلاغ عن أن بنتاً قاصراً عمرها 14 سنة قابلتها امرأة بجوار ضريح السيدة زينب ورغبّتها في الذهاب إلى منزلها لتزوجها بابنها، فذهبت معها، وبعد 3 أيام أعطتها مخدراً، وأدخلت عليها شخصاً ففض بكارتها.

أصبح «الغربي» حديث الرأي العام عام 1923، حين قدم النائب العام محمد إبراهيم باشا بياناً نشرته صحيفة الأهرام في 23 ديسمبر عن قضية بدأت وقائعها بتحقيقات أجرتها نيابة السيدة زينب في بلاغ عن أن بنتاً قاصراً عمرها 14 سنة قابلتها امرأة بجوار ضريح السيدة زينب ورغبّتها في الذهاب إلى منزلها لتزوجها بابنها، فذهبت معها، وبعد 3 أيام أعطتها مخدراً، وأدخلت عليها شخصاً ففض بكارتها.

توسعت التحقيقات لتكشف أن هناك تنظيماً يغوي الفتيات القاصرات، ثم يؤخذن إلى بيوت الدعارة للعمل بالإكراه، بتزويجهن ثم تطليقهن بعد 24 ساعة ليدخلن في طابور المومسات، وذلك بتواطؤ بين العصابة والشرطة.

وتبين أن هناك 400 فتاة بيع أكثرهن في أسواق الرقيق الأبيض، ويترأس هذا التنظيم إبراهيم الغربي، ويدير عمليات الرقيق الأبيض من إسنا إلى الإسكندرية، والفتيات اللاتي يقعن في قبضة تنظيمه يرسلهن ليلاً من بلادهن في حراسة رجاله، فيصلن إلى القاهرة أو الإسكندرية قبل غروب الشمس.

كان «الغربي» حينما قُبض عليه يلبس ملابس النساء، فلما زُج به في سجن الاستئناف، أحضروا له ثوب رجل، وقرر المحقق أن يكشف الطبيب الشرعي على «الغربي» لمعرفة حالته، وتقرير مدى مسئوليته في الجنايات التي اشترك فيها. وقرر حبسه ومجموعة أخرى معه من الرجال والنساء بتهمة استغواء النساء وتحريض الفتيات على البغاء والعدوان على شرف القاصرات منهن.

أحضر المتهمون حشداً من المحامين أثناء عرضهم أمام النيابة وانتهت القضية بالحكم على «الغربي» بالسجن في منتصف عام 1924 خمس سنوات مع الأشغال الشاقة، ومات في السجن بعد نحو عام.

وحين مات كانت ممتلكاته حسب الدكتور عبدالوهاب بكر: «54 بيتاً في حي باب الشعرية قيمتها وما تحويه 50 ألف جنيه، و156 سوار ذهب خالص وزمرد وماس، عدا تاج كان يلبسه فوق رأسه قيمته 3000 جنيه بأسعار وقتئذ وكسوة للتشريفة كان يرتديها فى الحفلات الرسمية قيمتها 500 جنيه، إلى جانب 10 آلاف جنيه».



المصدر

*كتاب «ذات يوم.. حكايات ألف عام.. وأكثر». سعيد الشحات.     *كتاب «مجتمع القاهرة السري 1900 – 1951». الدكتور عبد الوهاب بكر.

*كتاب «البغايا في مصر – دراسة تاريخية اجتماعية من 1834 – 1949» الباحث عماد هلال.

1
0
1
1
0
1
1