توتر العلاقات بين مصر وتركيا لا يقتصر على الفترة الأخيرة فحسب، فقد سبقته سلسلة من التوترات، إلا أن أبرزها ما أعقب ثورة يوليو 1952 عند طرد السفير التركي من مصر. القصة كاملة رواها سعيد الشحات في كتابه «ذات يوم.. يوميات ألف عام.. وأكثر».

رفع الحصانة

«تصرفاتكم ليست تصرفات جنتلمان، ولن تكون هناك أي صداقة بيننا وبينكم»، السفير التركي في مصر فؤاد طوغاي وجه هذه العبارة إلى جمال عبد الناصر، نائب رئيس مجلس الوزراء، وذلك أثناء افتتاح وزارة الإرشاد القومي لموسم دار الأوبرا، فقررت الحكومة المصرية طرد «طوغاي» من القاهرة في 4 يناير 1954، بعد رفع الحصانة الدبلوماسية عنه واعتباره شخصاً عادياً.

أوردت صحيفة الأهرام القصة كاملة في عددها الصادر يوم 5 يناير 1954، وأفردتها على ثمانية أعمدة في الصفحة الأولى، وأرجعت الطرد إلى حملات «طوغاي» المستمرة على سياسة قادة ثورة 23 يوليو 1952، وتوجيهه ألفاظاً نابية إلى جمال عبد الناصر، وكان وقتها نائب رئيس الوزراء في حكومة يترأسها اللواء محمد نجيب.

ذكرت «الأهرام» أن قرار طرد «طوغاي» تم اتخاذه في اجتماع لمجلس الوزراء يوم 2 يناير، وشرحت تفاصيل ما حدث، قائلة: «إنه بمناسبة افتتاح وزارة الإرشاد لموسم دار الأوبرا، دخل البكباشي جمال عبد الناصر فصافح السفير الهندي، ثم أبصر السيد طوغاي في أحد أركان الغرفة، فحيّاه: «هالو»، لكن «طوغاي» بدلاً من رد التحية، وجه إلى البكباشي جمال بصوت عالٍ عبارات لا تتوافق مع تصرفات ممثل دبلوماسي مفروض فيه الكياسة التامة في الحديث، وأول واجباته التزام الحدود».

وذكرت «الأهرام» أن السفير قال لجمال عبد الناصر: «تصرفاتكم ليست تصرفات جنتلمان، ولن تكون هناك أية صداقة بيننا وبينكم»، فلم يشأ عبد الناصر الرد عليه، بل اكتفى بأن أدار ظهره في هدوء، وواصل حديثه مع سفير الهند ووزير السويد المفوض.

وكتبت «الأهرام» أن «طوغاي» لم يكتفِ بذلك، بل زاد بوصف مصر بأنها «بلد قذر» أيضاً، فاحتدمت الأحوال وتوترت أكثر.

غضب شعبي

أخذت المسألة بعداُ شعبياُ، وفي دلالات الغضب الشعبي على ما حدث من «طوغاي» نشرت «الأهرام» أن مواطناً مصرياً بعث برقية إلى السفير الطريد يطالبه فيها بمبارزته رداً على الألفاظ النابية التي وجهت إلى مصر ورجال الحكومة فيها.

وفي نفس العدد الذي نقل رسالة المواطن المصري، كتب الكاتب الصحفي أحمد الصاوي محمد مقالاً يقارن فيه بين مصر وتركيا قائلاً «نظرة واحدة على شوارع إسطنبول وأنقرة حيث البؤس والفقر المدقع لتدلك على الفرق الشاسع بين ما بلغته مصر في سنوات قليلة، وما لا تزال ترزح تحته تركيا من أثر التعصب والجمود والفاقة».

ووصف «الصاوي» الدبلوماسية التركية بـ«الكسيحة العرجاء»، و«الدبلوماسية التي تجهل الدبلوماسية».

أسباب شخصية

تداخلت العوامل السياسية بالشخصية كأسباب لما فعله «طوغاي»، وفي الجانب الشخصي كان هو زوجاً للأميرة أمينة مختار حفيدة الخديو إسماعيل، وابنة الأميرة نعمت الله أخت الملك فؤاد، وعمة الملك فاروق، أي كان صهر العائلة المالكة التي اقتلعتها ثورة يوليو من حكم مصر، وكان يعيش في القاهرة بقصر حماته على مساحة 22 ألف فدان في منطقة المرج.

وربما كان لهذه الأسباب الشخصية دور كبير في انتهاج السفير التركي لهذا السلوك العدواني تجاه المسؤولين في مصر بتلك الفترة حتى انتهى الأمر بطرده من البلاد.




المصدر

كتاب «ذات يوم.. يوميات ألف عام.. وأكثر».سعيد الشحات.

5
1
1
0
0
0
0