بعد يوم مرهق من العمل، تستلقي في فراشك وتسترخي قليلا بينما تحلم باليوم الذي تحصل فيه على وظيفة الأحلام، التي تعتقد أنها ستغير حياتك للأبد، وستجعلك أقل توترا وشعورا بالملل وأكثر سعادة وشغفا.

وربما يذهب خيالك بعيدا وتحلم بالأموال الكثيرة التي ستنهال عليك يوما ما في المستقبل، والسيارة الفارهة، أو بشريك الحياة الذي سيعوضكِ عن كل ما فات.

تمر الشهور والسنوات وربما تحقق ما تحلم به، ولكن تكتشف في النهاية أنك لم تصبح سعيدًا بما يكفي، أو تشعر بالسعادة لفترة، ثم تظهر مشاكل جديدة تنسى بها ما حققته من إنجازات وتشعر بالحزن مرة أخرى.

السعادة الخارجية لا تستمر 

ما حدث في المثال السابق هو أنك علقت أسباب سعادتك على عوامل خارجية، مثل السيارة أو المال الكثير، وحتى العلاقات العاطفية فهي قادرة على إعطائنا شعورًا بالبهجة ولكن لفترة مؤقتة فقط، مهما طالت أو قصرت؛ كما يقول عالم النفس المجري «ميهاي كسيسنتميهاي» الذي وضع نظرية «التدفق.. سر السعادة» والتي تتحدث عن كيفية تحقيق السعادة الحقيقية.

فإذا كنت تعتقد أن امتلاك سيارة مثلا سيكون مصدر سعادتك، فربما تحقق لك السيارة بالفعل الراحة والشعور بالثقة والرفاهية، ولكنها لن تجعلك دائم السعادة، وإلا لكان جميع من يمتلكون السيارات حولك لا تواجههم أي صعوبات مثل مشاكل عمل، أو خسارة علاقات عاطفية، أو الحزن لوفاة شخص عزيز.

ورغم أننا نرى هذه الحقيقة يوميًا، وربما لدينا صديق يعمل في وظيفة يحبها أو شركة مرموقة لكننا تستغرب من شعورة بالحزن أو التوتر، ونتهمه بأنه لا يقدر هذه القيمة.

  • السعادة الخارجية تسبب الخوف

تخيل أنك تذهب لاستلام وظيفتك المرموقة وتشعر بالسعادة لأول راتب كبير تتقاضاه في حياتك، ثم تزداد ثقتك في نفسك وأنت تتطور في عملك يومًا بعد يوم. ستمر فترة طويلة حتى تبدأ في الشعور بالخوف من فقدان هذه الوظيفة الجيدة وتتراجع حياتك ومستوى معيشتك لما قبل هذه الوظيفة.

قد يدفعك هذا للكثير من العمل الذي يفوق طاقتك، أو محاولة التملق لمديرك، أو حتى إيجاد وظيفة جانبية مما يشكل عبئا عليك، ويحرمك من حياتك الخاصة وممارسة هواياتك.

فالمشكلة الأخرى في ربط سعادتنا بأشياء خارجية هي أننا نضيف لنفوسنا أعباء أخرى، وهي الشعور بعدم الأمان والخوف والقلق من فقدان هذه الأشياء التي بذلنا الكثير من الجهد لتحقيقها وانتظرناها بفارغ الصبر.

الحل في السعادة الداخلية

بالتأكيد في يوم من الأيام قد رأيت هذا الصديق الذي يتعرض لمأساة كبيرة، سواء كانت المرض أو خسارة المال أو فقد الأحباء، ولكنه يبدو متماسكًا وراضيا ومتفائلا، ولا يظهر عليه الحزن الشديد للدرجة التي تثير الكثير من الدهشة والاستغراب.

السر هنا أن هذا الشخص يمارس درجة عالية من «التدفق والتفكير الانتقائي»؛ بمعنى أنه لا يركز تفكيره على المأساة، بقدر ما يوجه كل طاقته للأفكار أو الأعمال الإيجابية.

فعندما يخسر وظيفته قد يحزن قليلا ولكنه سيتعافى بسرعة ولا يبدو الأمر وكأنه نهاية العالم كما يحدث للكثيرين؛ لأنه سيركز كل تفكيره على تطوير نفسه واستغلال الفترة التي سيظل فيها بلا عمل لحضور الكورسات وتعلم شئ جديد، وسيزيد فرصة حصوله على وظيفة أفضل مما تركها، ولهذا السبب يبدو هذا الشخص متفائلا رغم المأساة الكبيرة؛ لأنه وجه كل تفكيره وطاقته العملية لأنشطة إيجابية.

والمثل يحدث في حالة المرض الشديد، ستجد شخصًا يختار – دون وعي منه – أن يفكر بسلبية في الألم الذي يشعر به وكيف تخلى عنه الكثيرون في مرضه وكيف خسر وظيفته أو قدرته على الحركة.

كما ستجد شخصا آخر يفكر في أن هذا المرض كان فرصة لكشف الأصدقاء الحقيقيين من غيرهم، وفرصة لقضاء وقت دافئ مع العائلة التي أهملها لكثرة انشغاله عنهم، أو فرصة لاكتشاف هوايات جديدة لم يكن يعرفها في نفسه.

وبينما يصاب الشخص الأول بالاكتئاب الشديد وقد يتسبب هذا الحادث في فشلة الذريع بالمستقبل؛ سنجد الشخص الثاني أكثر رضاََ بالواقع وتفاؤلا بالمستقبل، وأكثر قدرة على التعافي والنجاح في المستقبل واستدراك ما فاته.

  • هل التفكير الانتقائي أمر صعب؟

هل تذكر هذه اللحظات التي انهمكت فيها بشدة في العمل، أو حتى في القراءة، أو ممارسة هواياتك، للدرجة التي نسيت فيها العالم من حولك ونسيت مرور الوقت، والمشاكل والأشياء التي كانت تضايقك في هذا اليوم وانهكمت في ممارسة هذا الشيء الذي تحبه؟

فالتدفق ببساطة هو توجيه كامل تفكيرك في شيء إيجابي، سواء كان عملا، أو هواية تحبها، أو أفكار إيجابية، نحو حياتك والأحداث اليومية التي تمر بها.

ولكن الفكرة هنا هي تحويل التدفق من شعور تلقائي يحدث عندما تنغمس في نشاط تحبه، إلى سلوك يحدث بوعي منك، وتدريب حتى يصبح عادة لديك؛ كما يذكر موقع «Pursuit of hapiness» الذي يقدم ملخصا لنظرية «التدفق.. سر السعادة» والي وضعها عالم النفس في كتاب يحمل نفس الاسم.

التدريب على التفكير الانتقائي

حتى تصل لهذه الحالة ستحتاج للتدريب على التركيز وتوجيه تفكيرك، وهذا يحدث بالخطوات التالية:

  • اختيار نشاط معين يشعرك بالسعادة.

  • التركيز في هذا النشاط بكامل قواك العقلية حتى تنغمس فيه تماما.

  • الاستمتاع بهذا النشاط الذي تمارسه ولا تفعله كـ«تأدية واجب» أو لمجرد إمضاء الوقت.

  • وضع تحدي معين، وليكن تعلم شيئا جديدا أو التدريب على نشاط جديد في الأمر الذي تؤديه.

  • وضع خطة وأهداف محددة من النشاط الذي تمارسة حتى تتمكن من التركيز فيه.

يقول «ميهاي»: «لا يصبح الناس أكثر سعادة عندما يمتلكون الأشياء التي يحبونها أو يحاولون الاسترخاء وعدم التفكير، ولكن يصلون إلى قمة الشعور بالسعادة عندما ينغمسون في أنشطة يحبونها».

هذه الخطوات ستصفي ذهنك كثيرا، وتجعلك أكثر قدرة على توجيه تفكيرك نحو الأمور الإيجابية في حياتك أو وسط المشاكل التي تقابلك.




2
6
0
0
0
0
0