«علاقتي بالمرأة بدأت في سن مبكرة، ففي سنوات طفولتي التي أمضيتها في حي الجمالية، كان متاحاً لنا اللعب مع البنات من نفس عمرنا، وخاصة في شهر رمضان، وكانت الصداقة الطفولية تلك تستمر حتى تصل البنت إلى أعتاب مرحلة المراهقة، وعندها تستقر في المنزل انتظاراً للزواج».

تروي هذه الكلمات بداية علاقة الروائي الراحل نجيب محفوظ بالنساء اللائي لعبن دوراً في حياته على اختلاف مراحلها، وهو ما ذكره بالتفصيل للكاتب رجاء النقاش الذي دونها بدوره في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ».

يروي «محفوظ»: في العباسية عشت أول قصة حب حقيقية في حياتي، وهي قصة غريبة ما زلت أشعر بالدهشة لغرابتها كلما مرت بذهني، وكنت أيامها على أعتاب مرحلة المراهقة، وقبل أن أدخل هذه التجربة كانت علاقتي بالبنات لا تزيد على مداعبات تتجاوز الحد أحياناً.

وبحسب أديب نوبل فإنه عاش في ذلك الجو الطفولي المفعم بالبراءة أول قصة حب ساذجة وبريئة وقصيرة، وانتهت بمجرد انتقاله مع أسرته إلى العباسية.

مداعبة البنات

يروي «محفوظ»: في العباسية عشت أول قصة حب حقيقية في حياتي، وهي قصة غريبة ما زلت أشعر بالدهشة لغرابتها كلما مرت بذهني، وكنت أيامها على أعتاب مرحلة المراهقة، وقبل أن أدخل هذه التجربة كانت علاقتي بالبنات لا تزيد على مداعبات تتجاوز الحد أحياناً.

كانت هذه التجاوزات البريئة تصطدم بالإحساس الديني وهو على أشده في تلك الفترة، لدرجة أنني كنت أتوجه بالتوبة إلى الله يومياً، وأعيش في عذاب مستمر من تأنيب الضمير، واستمرت هذه الحالة حتى رأيتها.

كنت ألعب كرة القدم في الشارع مع أصدقائي وكان بيتها يطل على المكان الذي نلعب فيه، وأثناء اللعب شدني وجه ساحر لفتاة تطل من الشرفة. كنت في الثالثة عشر من عمري، أما هي فكانت في العشرين، فتاة جميلة من أسرة معروفة في العباسية، رأيت وجهاً أشبه بلوحة «الجيوكندا» التي تجذب الناظر إليها من اللحظة الأولى.

ما جذبني إليها – بالإضافة إلى جمالها – أنها كانت مختلفة عن كل البنات اللائي عرفتهن قبلها. لم تكن فتاة تقليدية مثل بنات العباسية، بل كانت تميل إلى الطابع الأوروبي في مظهرها وتحركاتها، وهو طابع لم يكن مألوفاً آنذاك.

وبحسب أديب نوبل: ظل حبي قائماً لهذه الفتاة الجميلة من بعيد ومن طرف واحد، ولم أجرؤ على محادثتها أو لفت انتباهها إلى حبي الصامت، واكتفيت منها بمجرد النظر، وكانت متعتي الكبرى أن أجلس بعد انتهاء مباراة الكرة قبيل المغرب، وأوجه نظري صوب الشرفة التي تقف فتاتي فيها وأطيل النظر إلى وجهها الجميل.

استمر الحب الصامت لمدة عام كامل، وكم كان حزني شديداً عندما تزوجت فتاتي وانتقلت إلى بيتها الجديد. انقطعت عني أخبارها، ومضت الأيام، وبدأ حبها يخفت وتنطفئ نيرانه، خاصة بعد أن تخرجت في الجامعة، وانشغلت بالوظيفة وبحياتي الأدبية ثم زواجي بعد ذلك.

 

حياة العربدة

ويصف «محفوظ» الفترة التي سبقت زواجه بأنها كانت عبارة عن حياة عربدة كاملة. «كنت من رواد دور البغاء الرسمي والسري، ومن رواد الصالات والكباريهات، ومن يراني في ذلك الوقت لا يمكن أن يتصور أبداً أن شخصاً يعيش مثل هذه الحياة المضطربة وتستطيع أن تصفه بأنه حيوان جنسي، يمكن أن يعرف الحب أو الزواج».

كانت نظرتي للمرأة في ذلك الحين جنسية بحتة، ليس فيها أي دور للعواطف أو المشاعر، وإن كان يشوبها أحياناً شيء من الاحترام، ثم تطورت هذه النظرة وأخذت في الاعتدال بعدما فكرت في الزواج والاستقرار.

زواج سري

وتابع: كان زواجي من «عطية الله» زواجاً عملياً، بمعنى أنني اخترت الزوجة المناسبة لظروفي، ولم تنشأ بيننا قصة حب سابقة على الزواج. كنت في حاجة إلى زوجة توفر لي ظروفاً مريحة تساعدني على الكتابة ولا تنغص حياتي، زوجة تفهم أنني لست كائناً اجتماعياً، ولا أحب أن أزور أحداً أو أن يزورني أحد، وأنني وهبت حياتي كلها للأدب.

كنت من رواد دور البغاء الرسمي والسري، ومن رواد الصالات والكباريهات، ومن يراني في ذلك الوقت لا يمكن أن يتصور أبداً أن شخصاً يعيش مثل هذه الحياة المضطربة وتستطيع أن تصفه بأنه حيوان جنسي، يمكن أن يعرف الحب أو الزواج

يقول «محفوظ»: وجدت في «عطية الله» هذا التفهم وتلك الصفات المناسبة لي، واستطاعت أن توفر لي جواً مناسباً جعلني أتفرغ للكتابة والقراءة، حتى ان إخوتي عندما كانوا يقومون بزيارتهم المعتادة لنا، كانت زوجتي تستقبلهم وتجلس معهم لتتركني وشأني، حتى لا أضيع وقتي في مثل هذه الواجبات الاجتماعية.

وقال: لا أفشي سراً أنني لم أكن أنوى الزواج أبداً، فقد كنت أحسب أنه سيعطلني عن حبي للأدب الذي قررت أن أعطيه كل وقتي واهتمامي. ولكن عندما تقدم العمر بوالدتي وضعفت صحتها، وأصبحت لا تقدر على الأعباء الكثيرة المطلوبة منها، بدأت أشعر بالوحدة.

بدأت أمي تدرك ضرورة زواجي، وعرضت علىّ أمر الزواج مراراً وألحت فيه، ولكنني كل مرة كنت أرفض وأتذرع بحجج واهية، إلا أنها اختارت لي فتاة من بين أقاربي وتحدثت مع أمها في الموضوع التي رحبت بي، فابنتها ثرية ومطمع للرجال، وتخشى عليها من زوج غريب لا تعرفه قد يحيل حياتها إلى جحيم ويستنزف ثروتها، بينما أنا شاب من الأسرة، ولن تكون لي أطماع في مال ابنتها، كما أنني سأكون حريصاً عليها.

وعندما فكرت وجدت أن هذه الزيجة ستكون ماسة بكرامتي بسبب أوضاع الفتاة المالية، فهي شديدة الثراء وتعلمت في أحسن المدارس الأجنبية، ولا يوجد تكافؤ بيننا في الناحية المادية، ورفضت عرض أمي خاصة بعد علمت أن أهل الفتاة سيتكفلون بكل تكاليف الزواج من مهر، وشبكة، وأثاث منزل.

ومرت سنوات إلى أن قابلت «عطية الله»، ووجدت فيها الصفات التي أبحث عنها كأديب، وتزوجنا في السر. أخفيت أمر زواجي عن أمي، ودخلت بزوجتي في شقة شقيقي «محمد» حتى أتجنب ثورة أمي، لأنها كانت رتبت أمر زواجي من قريبتها الثرية، وأنا خذلتها أمام الجميع، فلم أستطع أن أفاجئها بزواجي من امرأة أخرى.

مع زوجته وابنتيه

 




المصدر

كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ».رجاء النقاش.

2
1
0
0
0
0
2