رغم حصره من قبل صُناع السينما في دور السنيد أو صديق البطل، إلا أن الفنان الراحل عبدالمنعم إبراهيم استطاع بخفة ظله وضحكته الطفولية أن يحفر اسمه ضمن قائمة فرسان الكوميديا في مصر.

قاسى ظروف حياتية صعبة، لكنه بلورها إلى ضحكات على شفاه المشاهدين الذين لا يمكنهم نسيان أدواره في الكثير من الأعمال السينمائية والمسرحية.

حي عابدين

ولد «إبراهيم» في محافظة بني سويف عام 1924، ووالده هو إبراهيم محمد حسن الدغبيشي الذي كان يعمل موظفاً بسيطاً في نظارة المالية، وانتقل إلى القاهرة ليستقر بأسرته في حي الحسين، ثم في حي عابدين حيث التحق ابنه عبدالمنعم بمدرسة عابدين الابتدائية.

في هذه المدرسة بدأت مقومات حب «إبراهيم» للفن تظهر، فالتحق بفريق موسيقى المدرسة وتعلم العزف على البيانو، كما اشترك مع فريق التمثيل في مسرحية «قناة السويس».

في عام 1938 حصل على الشهادة الابتدائية والتحق بمدرسة الصناعات الميكانيكية بالقاهرة، وشارك بفرقة التمثيل بالمدرسة وهناك تعرف على طلبة جمعهم حب التمثيل مثل توفيق الدقن، وعبدالمنعم مدبولي.

لم يكن طموح «إبراهيم» وزملائه يقف عند مجرد تمثيل الأعمال المسرحية التقليدية، بل كان طموحهم الأكبر تكوين فرقة مسرحية، وهو ما نجحوا فيه، وكان مصدر تمويل الفرقة هو مصروفهم الشخصي لأفرادها.

ومن خلال القروش القليلة التي جمعها «إبراهيم» وأصدقاؤه استطاعوا أن يقنعوا الفنان جورج أبيض بأن يخرج عملهم المسرحي الأول وكان بعنوان «الضحية»، كما نجحوا في تأجير مسرح الأزبكية بـ10 جنيهات ليعرضوا عليه العمل، وكان «منعم» و«مدبولي» يتوليان بيع التذاكر في المنازل والمحلات لتغطية مصاريف العمل.

بعد تخرج «إبراهيم» في مدرسة الصناعات الميكانيكية عام 1944، تم تعيينه بنظارة المالية، ومن بعدها إدارة التفتيش بمصلحة الأملاك الأميرية، وفي عام 1945 التحق بمعهد التمثيل ثم تنقل بعد ذلك في عدد من الفرق المسرحية، إلا أنه لم يجد ذاته فيها ليلتحق بالمسرح القومي ليكون وسط عمالقة الفنانين.

وخلال مشواره الفني قد «إبراهيم» أكثر من مائة مسرحية تدرج خلالها من أدوار مساعدة وأدوار ثانية، حتى قام ببطولة عدد من أشهر المسرحيات التي ظلت شاهدة على موهبة هذا الفنان مثل دوره في مسرحية «سكة السلامة» رغم أن الدور كان بعيداً عن شخصيته «الهزلية» وكذلك دوره في مسرحيتي «معروف الإسكافي» و«حلاق بغداد».

كاميرا السينما

الوقوف الأول لعبد المنعم إبراهيم أمام كاميرات السينما كان سنة 1940 ككومبارس في فيلم «الورشة»، أما بدايته الفعلية فجاءت بعد 11 عاماً وتحديداً عام 1951من خلال دور صغير في فيلم «ظهور الإسلام».

بعد ذلك ظل «منعم» بعيداً عن السينما لمدة عامين ليأتي عام 1953 ويشارك في فيلمي «شريك حياتي»، و«غرام بثينة»، ليبدأ خطواته البطيئة فى التسلل إلى عالم السينما رويداً رويداً، إلى أن واتته الفرصة لتحقيق وجوده في فيلم «وداع في الفجر»، ولتتوالى بعد ذلك أفلامه التي تجاوزت 200 فيلم. 

دموع ومعاناة

على المسموى الشخصى كانت حياة عبد المنعم إبراهيم مسرحاً مفروشاً بالحزن والدموع والمعاناة، ففي الوقت الذي كان يحاول رسم البسمة على شفاه جمهوره، كان يخفي دموعه ويخرجها ضحكات مدوية. فعندما كان يخطو في فنه خطواته الأولى ماتت أمه عام 1945، تلتها أخته بعدها بعامين، لتجيء لطمة أخرى وأشد بوفاة أبيه في نفس العام.

لم تتوقف أحزانه عند هذا الحد فقد كان القدر يخبئ له لطمة أخرى كانت بمثابة الضربة القاضية في حياته، وهو رحيل زوجته الشابة عام 1962 بعد صراع طويل مع المرض بسبب إصابتها بمرض السرطان، تاركة له 3 أبناء كان لهم الأب والأم معاً.

لم يكد عبدالمنعم إبراهيم يفيق من صدماته المتوالية حتى تلقى ضربة أخرى بوفاة أخيه وهو في الـ30 من عمره.

ورغم تلك اللطمات إلا أنه ظل متماسكاً ولم تثنيه الأحزان عن مواصلة عمله، فأخذ يمثل ويؤدي الأدوار الإنسانية الباسمة. بعد ذلك تزوج مرة أخرى من اللبنانية عايدة تلحون وأنجب منها ابنته نيفين زوجة الممثل صبري عبد المنعم، كما تزوج بعدها من الممثلة كوثر العسال واستمر زواجه منها 15 عاماً.

مع زوجته الثانية

عاش «إبراهيم» حياة عادية غير ثرية، حتى أنه في وقت من الأوقات في بداية الستينيات كان مديناً لعدة جهات وشخصيات متعددة، كما أنه عجز عن سداد الضرائب المستحقة عليه والتي بلغت 110 جنيه. ورغم ضآلة المبلغ، إلا أن مصلحة الضرائب لم تجد ما تحجز عليه سوى ثلاجة، إلى أن تمكن من سداد المبلغ على أقساط.

في الفترة الأخيرة من حياته عانى من المرض. أصيب بمرض النقرس وظل يعاني منه فترة طويلة، وفي عام 1984 أصيب بجلطة في المخ دخل على أثرها غرفة الإنعاش. وفي 17 نوفمبر من نفس العام أصيب بهبوط حاد بالقلب نُقل على أثره إلى المستشفى حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في الوقت الذي كان يستعد فيه لأداء دوره في مسرحية «5 نجوم» على المسرح الحديث.

ترك «إبراهيم» وصيته لزميلة عمره الفنانة سميحة أيوب بأن تخرج جنازته من المسرح القومي، والذي قدم على خشبته أروع أدواره في «السبنسة» و«البخيل» و«عيلة الدوغري».

نال «إبراهيم» وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1983، ولُقب بالعديد من الألقاب أشهرها «لوريل السينما المصرية»، نظراً لتشابه الشخصيات التي كان يقدمها مع ثنائيات السينما العالمية، كذلك لُقب بـ«الضاحك الباكي» وهو أقرب الألقاب إلى حقيقة شخصيته.




المصدر

كتاب «الضاجكون الباكون». أمل عريان فؤاد.

1
0
0
0
0
1
0