لم يرتبط اسم أحد المفكرين المعاصرين بالشك والخوض في ثوابت الدين والخلق، كما حدث مع الدكتور مصطفى محمود، حتى اتهمه البعض صراحة بالإلحاد ونفي وجود الله.

لكن لماذا خطرت له هذه الأفكار بهذه الكثافة؟ وكيف واجه كل شك حتى انتهى إلى الجمع بين العلم والإيمان كما سمى برنامجه التلفزيوني الشهير؟ «شبابيك» يرصد أهم محطات مصطفى محمود من الشك نحو الإيمان في هذا التقرير.

معضلة الخلق

صورة ذات صلة

كانت البداية في موالد السيد أحمد البدوي، وسط حلقات الذكر والابتهالات الصوفية، حين ارتحل مصطفى محمود الطفل إلى مدينة طنطا لظروف عمل والده.

في هذا الجو الديني المبكر، بدأ المفكر الصغير يسأل بإصرار، من خلق الله؟ فيجيبه الناس مستنكرين بأن الله لم يخلقه أحد، فيأتي رده باردًا: إذن فالدنيا أيضًا ليست بحاجة لخالق.

يعترف «محمود» بحبه لشطحات التفكير في هذه الفترة، ومقارعة الحجة بالحجة فخورًا بعقله واسع الخيال، فقد استغرق في عبادة نفسه بدلاً من عبادة الله.

وأخيرًا توصل إلى حل معضلة الخلق فيما بعد، حين عرف أبسط قواعد المنطق، أن الخالق الأول لا يمكن أن يخلقه أحد، وإلا فهو مخلوق آخر، فالسؤال عن خالق الخالق هو قمة السفسطة «قول الشيء وعكسه».

من هو الله؟

عشق «محمود» القراءة في مكتبة البلدية بطنطا، وأجرى التجارب العلمية في معمل خاص به في بيته، وأخيرًا انتهى به المطاف في كلية الطب، ليشغل العلم وحده كل تفكيره بعيدًا عن الدين وكل الغيبيات.

في بحر العلم الذي غاص فيه، واكتشافه لدقة الخلق في الخلية الحية، والذرة الدقيقة، وحبة الرمل ذاتها، اقتنع «محمود» أن الله هو الكون الموجود ذاته، الأزلي بلا بداية، والمستمر إلى مالا نهاية، وهو لا يحتاج إلى من يخلقه من العدم، فليس هناك عدم أصلاً.

وقد ازداد اقتناعًا برأيه حين عرف وحدة الوجود الهندية، التي تعتبر أن الإنسان نفسه موصول بالكون، وأن المخلوقات كلها تتصل ببعضها في وحدة واحدة، وكل هذا الوجود هو الله.

ظل في هذا الجو الصوفي مدة طويلة، وتعلمه من الأساتذة الهنود أنفسهم، واثقًا أنه الحل الأفضل لحل مسألة أصل الخلق، وانعكس على مؤلفاته الأدبية مثل رواية «العنكبوت».

لكن العلم عاد ليقوده من جديد إلى دفة الإيمان، فقد أدرك في المعمل أن منشأ الكون المادي كله يعود إلى ذرة الهيدروجين، فهي التي تشكل الكائنات الحية وغير الحية، وكأنها لون واحد يرسم به فنان عظيم لوحته، فلا يصح الاعتبار أن الخالق هو اللوحة وليس صاحبها.

واللوحة صنعها فنان واحد، لأنه رسم اللوحات كلها بلون واحد هو ذرة الهيدروجين، لذا فالخالق واحد لا شريك له. أما وحدة الوجود الهندية فظهرت له على حقيقتها، تبسيط زائد لا يرتاح إليه العقل و لا ترضى به النفس.

نظرية التطور

كان مرور مصطفى محمود حتميًا على نظرية التطور لصاحبها تشارلز دارون، والتي تفيد بأن الكائنات كلها تتشابه في التركيب النسيجي، الجناح في الطائر، والذراع في الحيوان، والزعنفة في السمكة، وهكذا فإن الإنسان تحور عن جده القرد بعد أطوار عديدة.

لم ينكر «محمود» النظرية من جذورها، فقد اعترف بهذا التشابه لكنه وجده خير دليل على وجود الخالق، فإن هذا التشابه يعني أن الخالق واحد للجميع، فالمشكلة في التطور بلا خالق، أما التطور الموجه فهو منطقي ومقبول، رافضًا الاقرار بفكرة التطور عن القرود نفسها.

وتابع مهاجمة نظرية التطور بلا خالق، فهي إن فسرت بقاء نوع معين من الكائنات لأنه الأقوى والأصلح للطبيعة، فهي لم تفسر جمال الكائن نفسه، لم توضح سبب النقوش المبهرة في جناح الفراشة مثلاً، هذا الجمال رآه «محمود» مؤكدًا على وجود خالق فنان.

شيء آخر وهو ذكاء الكائن نفسه وإعداده لمواجهة الكون، فالبعوضة مثلاً تضع بيضها في كيسين للطفو على مياه المستنقع، هل تعلمت البعوضة قوانين الطفو وحدها؟ أم صنعها خالق عليم بهذا العالم وجهزها للعيش فيه؟

الإنسان مخيّر مسيّر

هل الإنسان مخير؟ إذن كيف يعلم الله كل ما سيفعله؟ أم هو مسير؟ ولكن كيف سيحاسبه الله على ما فعل إن كان مسيرًا؟ هذه العقدة في القضاء والقدر زارت مصطفى محمود كذلك.

لم يقل إن الإنسان مسير أو مخير فقط، بل رأى أنهما معًا بلا تناقض، فالإنسان مخير في كل لحظة، لكن الله هو من يعطيه القدرة على فعل ما اختاره، لقد كتب عليه كل أفعاله لأنه يعلم أنه سيفعلها بإرادته، وليس لأنه أجبره وسيره على فعلها.

أراد «محمود» أن يؤكد على إعطاء الله للإنسان قدرته على فعل ما يشاء، لكن كل هذا في نفس الوقت معروف في علم الله، وهكذا يكون التسيير هو عين التخيير.

معضلة الشر والألم

لماذا خلق الله الشر وهو الجميل الطيب البديع؟ لماذا خلق الجوع والألم والمرض والقسوة والخيانة وسائر الأمور السيئة الأخرى؟ ولماذا يعذب الله عباده في الدنيا والآخرة؟ هذا السؤال الذي ورد لكل مفكر فيما يُعرف بمعضلة الشر والألم.

وهنا يبرز عنده معنى الاختبار، فالدنيا بلا كل هذه الأمور السيئة تصبح كاملة، أي تصبح جنة، فكيف يأتي الامتحان؟ الإنسان يسرق ويقتل ويدمر، وينشر الشر في الأرض بمحض إرادته لأنه حر طليق مخير.

والألم يأتي في الواقع بالخير، سواء للتخلص من الضرر، أو لتحذير البشر وتنبيههم، أما العذاب في الآخرة فهو قمة العدل الإلهي، فكيف يهرب رجل مثل هتلر بكل أعماله الوحشية بلا عقاب؟

هل ألحد مصطفى محمود؟

صورة ذات صلة

الإلحاد بمعناه الواضح وكما جاء في قاموس أكسفورد هو عدم الإيمان بوجود آلهة، وقد اختلف البعض في إلحاد مصطفى محمود من عدمه، رغم أنه يصف حاله دائمًا بالشك والبحث وليس الإلحاد التام، ويعترف بنفسه قائلاً: «وبالرغم من هذه الأرضية المادية والانطلاق من المحسوسات الذي تنكر كل ما هو غيب فإني لم أستطع أن أنفي أو أستبعد القوة الإلهية»

وفي موضع آخر يفسر سبب شططه العقلي، مع أن الفطرة كانت ستقوده مثل آلاف البشر إلى الحق، لكنه ولد في وقت تعقد فيه كل شيء، وسادت مصر في أربعينات وخمسينات القرن العشرين موجات من الفكر المتمرد كالوجودية، والشيوعية، وغيرها، فصار العلم وحده هو الصوت المسموع.

ومثل الإمام أبي حامد الغزالي الذي قضى ستة أشهر في مرحلة الشك، احتاج الأمر من مصطفى محمود إلى 30 سنة من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه، ليقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت.




المصدر

*مصطفى محمود مشوار العمر.. محمد رضوان *رحلتي من الشك إلى الإيمان.. مصطفى محمود *حوار مع صديقي الملحد.. مصطفى محمود

4
2
1
0
0
0
1