أحيانا يكذب الإنسان على الآخرين، لأسباب عديدة، أهمها مصلحته الشخصية وهروبًا من إعلان الحقيقة. قد يكذب المرء حتى على المقربين منه؛ أهله وأصحابه وشريك حياته، لكن ماذا عن كذب الإنسان على نفسه؟ ما مصلحته في خداع ذاته؟

دفاعًا عن النفس

صورة ذات صلة

في عام 1959 أجرى عالم النفس الاجتماعي «ليون فيستنجر» تجربة مهمة ليحدد ويفهم أسباب الكذب على النفس. سمح «فيستنجر» لبعض الطلبة الجامعيين أن يشتركوا معًا في لعبة مكعبات مملة جدًا، ثم قسّم الطلبة إلى مجموعتين.

المجموعة الأولى ستحصل على 20 دولار، والثانية على دولار واحد فقط، في مقابل أن يكذبوا على الناس ويقولوا إن اللعبة كانت ممتعة، وبالفعل كذب الطلبة في المجموعتين.

في النهاية سأل «فيستنجر» المجموعة الأولى عن رأيهم في اللعبة، فقالوا أن اللعبة في غاية الملل، لكنهم كذبوا فقط من أجل المال (20 دولار).

المجموعة الثانية قالت العكس: اللعبة ممتعة جدًا، فهم لا يمكن أن يكذبوا من أجل المال (1 دولار).

هنا استنتج «فيستنجر» حقيقة الأمر، المجموعة الثانية كذبت على نفسها بأن اللعبة ممتعة، حتى تنفي تهمة الرشوة القليلة، ويرتاح ضميرها، فهي لم تكذب على الناس من أجل دولار واحد.

أول سبب لكذب الإنساءن على نفسه، أن يريح ضميره ولا يبقى شاعرًا بالذنب والجريمة.

شماعة الأخطاء

نتيجة بحث الصور عن الشماعة

كم مرة يلوم الإنسان غيره على حادثة تسبب هو فيها؟ سائق السيارة الذي يلوم السائقين الآخرين لأنهم جاهلين بالقيادة، بينما هو نفسه أجهلهم، والطالب الذي يلوم المدرس لأن امتحاناته صعبة، في حين أنه لم يذاكر جيدًا.

الدكتورة «سوزان ك.وايتبورن» من جامعة ماساتشوستس الأمريكية، تشرح هذا النوع من الكذب، حين يلوم المرء الآخرين كاذبًا على نفسه، فهو لا يحب الاعتراف بخطأه، ويعتبر الناس والظروف شماعة متاحة ليعلق عليها كل أخطائه.

شعبيا، قد يلقي المخطئون ذنبهم على «الشيطان»، فكل ذنب هو بسبب «ساعة شيطان»، وكأن الإنسان ليس له اختيار أو إرادة.

بل يلوم الإنسان أحيانًا قدره، ويحكي التاريخ عن اعترافات «ريا وسكينة» بأن كل جرائمهم الوحشية كانت «مقدر ومكتوب» وكأنها شماعة القدر هذه المرة.

أنا الأفضل

نتيجة بحث الصور عن هتلر

يحكي عبد الرحمن محمد لـ«شبابيك» عن الشعور بالبطولة في سنوات الجامعة، حين يقول الشاب لنفسه: أنا الأفضل، أنا الأكثر وسامة، كل البنات يجب أن تعشقني، أنا أعرف أنني كاذب ولكني أحب هذا الكذب.

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدجار موران، يسمي هذا الإعجاب الفطري بالنفس «التمركز حول الذات»، والذي يدفع المرء لامتداح نفسه وتبرير أفعاله واعتبار الآخرين جميعًا مصدر الشرور دون أي ذنب.

هذا النوع من الكذب قد يصيب شعوبًا بأكملها، تصدق أنها أفضل من غيرها، مثل الشعب الألماني وقت حكم الزعيم النازي أدولف هتلر، فقد قالوها صراحة في نشيدهم الوطني «ألمانيا فوق كل شيء في العالم».

الخوف من الحقيقة

نتيجة بحث الصور عن الخوف من الحقيقة

منة محمد تحكي عن كذبها المستمر على نفسها بشأن عدد من أصحابها، فقد ظلت متمسكة بهم حتى النهاية وتتلمس لهم الأعذار، وتنتظر تحسن الأمور بلا فائدة بدلاً من تحمل حقيقة الفراق.

الحكيم الإغريقي «إيسوب» صاحب أشهر قصص الحكمة التي تتخذ أبطالها من الحيوانات، لديه حكاية بعنوان «الثعلب والعنب» توضح كذب الإنسان على نفسه بهذه الطريقة.

نتيجة بحث الصور عن قصة الثعلب والعنب

في القصة، يجد الثعلب عناقيد العنب الشهي أعلى أحد المنازل، ويحاول الوصول للعنب بكل شكل ولكنه يفشل، وهكذا يترك الثعلب العنب ويذهب قائلاً لنفسه: «هذا حنظل مر وليس عنبًا طازجًا»

يفعل المرء كثيرًا مثل الثعلب، يعرف أنه مخطئ في كذبه على نفسه، لكنه يتجاهل كل هذا كي تستمر حياته فقط، ويخاف الإنسان من الاعتراف بالحقيقة المؤلمة، بأنه عاجز، فيكذب على نفسه ليرتاح.

مثل الرجل الذي يتقدم للزواج فترفضه الفتاة، فيقول لنفسه أنها لا تستحق من البداية أو هي قبيحة أصلاً، وكذلك الموظف الذي يدخل امتحان القبول بشركه فلا يُقبل، ويقنع نفسه بأن الشركة سيئة.

هل خداع النفس مفيد؟

صورة ذات صلة

بحسب الأكاديمية العربية البريطانية للتعليم العالي، الكذب على النفس يريحنا فعلاً من الالتزامات، يجعلنا في مقاعد المتفرجين بدلاً من اللاعبين أنفسهم، هو أسهل الحلول وأكثرها فاعلية.

في الوقت نفسه، يتراكم الكذب ليعطلنا عن بناء مستقبلنا، ويبعدنا عن المغامرة والأفعال الشجاعة، نزهد في الجميل المجهول، فلا نصبح متطورين أو مبدعين.

تلك الأكاذيب يجب أن تخرج للنور والعلاج، وإلا لتحولنا جميعًا إلى مجموعة من الأطفال الجبناء، في حين أننا أقوياء ونستطيع الوقوف في وجه الحقيقة وتقبلها ولو بصعوبة.



المصدر

*التجربة الفكرية لروح أمه.. كيرلس بهجت *الأسباب السبعة لتربية المستقبل.. إدجار موران *موقع الأكاديمية العربية البريطانية للتعليم العالي

2
0
1
0
0
0
0