منذ أربع سنوات أصيب وليد الديب - 26 عامًا-  بجلطة صغيرة، نتيجة الضغط الشديد في العمل. يعمل «وليد» في مجال المبيعات وهو محب لعمله إلى درجة الإدمان حرفيًا. يظل في العمل لساعات متأخرة بعد انتهاء الدوام. ويعمل في أيام الإجازة لمقابلة العملاء المهمين، ولا يوقفه عن ذلك الإرهاق الذهني أو حتى المرض.

«في مرة كنت مريض جدا وضغطي مرتفع، وكان لازم أقعد في الأوضة مظلمة لأني مش مستحمل، لقيت نفسي بفتح اللاب توب وبشتغل وبكلم عملاء»، يقول وليد.

جزء كبير من شعوره بالنجاح والثقة في نفسه يتعلق بالعمل، ويعترف بالتقصير مع الأهل والأصدقاء. لا يرى أصدقاءه إلا يوما واحدا في الأسبوع أو الشهر. يقول «وليد»: «النجاح بالنسبة لي هو نجاح الشغل، ولما بحقق التارجت بنسى كل التعب سواء جسديا أو نفسيا».

إدمان العمل

في بداية حياته يكرّس الشاب كل الوقت للعمل، خصوصًا لو كان شغوفا بمجاله؛ وهذه الحالة لا تصنف كنوع من إدمان العمل، طالما أن الشاب يقرر التركيز في هذه المرحلة على عمله، دون أن يسبب له مشاكل صحية، ويستطيع تحقيق التوازن بين العمل والراحة والعلاقات الاجتماعية، كما يوضح استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية الدكتور محمد هاني.

هناك علامات كثيرة للتفريق بين الشاب المحب لعمله، وذلك الذي وصل لحالة مرضية من إدمان العمل، كما يحددها موقع مركز علاج الإدمان أو «Addiction help center».

أعراض إدمان العمل

  • الشعور بالضغط النفسي عندما يقضي الوقت بعيدا عن العمل.

  • عدم القدرة على الاسترخاء والشعور بالقلق الشديد في أيام الإجازة بما يلح عليه للعودة للعمل.

  • الشعور بالإحباط والعزلة ومع ذلك يستمر في رفض إجازات العمل.

  • يشعر براحة أكبر عند قضاء الوقت في العمل أو إنجاز مهام معلقة، مقارنة بالتواصل مع الأهل والأصدقاء.

  • الإحساس بالضيق الشديد عند الاضطرار لترك العمل في نهاية اليوم.

أسباب إدمان العمل

كان العمل في محل كوافير يستنزف وقتا كبيرا من حياة ماريان محفوظ، وبسبب هذه العزلة الشديدة التي سببها العمل، لم تكن لديها علاقات اجتماعية أو تسطيع التعامل مع أحد أو «تاخذ حقها في الحياة».

تقول «ماريان» لـ«شبابيك»: «نفسيا كنت متدمرة لأن مكنتش بلاقي وقت حتى آكل أو أخرج أشتري حاجة».

مرت 10 سنوات على هذا الحال، حتى قررت «ماريان» تغيير عملها وبدء حياة جديدة والتعرف على أصدقاء جدد، لكنها لم تستطع تكوين أي علاقات وعادت لتهرب وتدفن نفسها في العمل من جديد.

تعافت «ماريان» الآن من هذه الحالة، واصبح لديها أصدقاءها واهتماماتها وعملها الجديد الذي لا يأخذ حيزا كبيرا من حياتها اليومية كما في السابق.

لكن هناك أسباب محددة لإدمان العمل، تتعلق بمشاكل نفسية عميقة كما يوضحها موقع «Addiction help center» وهي:

  • الافتقار الشديد للثقة في النفس الذي يعوضها بعدم القدرة على ترك العمل.

  • الشعور بالأمان والحماية والسيطرة في بيئة العمل مقارنة بمنزل أو محيط اجتماعي يمتلئ بالمشاكل والخلافات.

  • الإصابة باضطراب الشخصية المثالية الذي يخلق هوسا وحاجة ملحة لأن يقوم بكل مهمة في العمل على أكمل وجه.

  • إصابة الشاب باضطرابات القلق أو الوسواس القهري الذي يجد لها مخرجا ومتنفسا في العمل.

نتائج إدمان العمل

  • خسارة العلاقات الاجتماعية

المشكلة الظاهرة للجميع هي أن مدمن العمل ليس لديه أصدقاء، فهو في حالة عزلة دائمة عن الجميع بمن فيهم الأقارب.

خسارة العلاقات الاجتماعية لا تصيبه فقط بالشعور بالوحدة واضطرابات نفسية أخرى مثل القلق والتوتر، ولكنها تزيد من تعلقه بالعمل الذي يعتبر مهربًا من الوحدة، ما لم يكسر هذه الدائرة بنفسه.

  • الاضطهاد والغيرة

يخسر مدمن العمل علاقاته الاجتماعية في مقابل حصوله على التقدير من مديريه وزملاءه. لكنه يفاجأ أنه أصبح هدفًا للغيرة والحقد من زملاءه وأحيانًا الاضطهاد، بسبب تفضيل المديرين لهذا الشخص أو تفوقه عليهم في إنجاز الأعمال.

وإذا كان إدمان العمل يجعل الشاب إنطوائيا لكن مشاعر العداء بينه وبين زملاءه تتعارض مع حاجته النفسية العميقة للتقدير، وبالتالي يصبح ميّالًا أكثر للعزلة.

  • الاستنزاف

يعطي الشاب كل طاقته وكامل مجهوده لعمله على حساب راحته، حتى يصل لمرحلة الاستنزاف التام، خصوصا عندما يدرك أنه خسر كل شيء، الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية وخسر نفسه أيضا.

هذه المرحلة خطيرة جدا لأنها تدخل الشاب في حالة من الاكتئاب والعزلة التي تصل إلى تركه العمل تمامًا والمكوث في المنزل، لأن طاقته انتهت ولم يعد قادرا على تقديم المزيد.

  • عدم الوصول للكفاءة

العمل بالنسبة لمدمنه هو عالم سحري، يشغله عن التفكير، ويحصل من خلال على التقدير الكبير، فهو يشبه حاجته للتفوق والإنجاز.

ولكن الوصول لمرحلة الاستنزاف قادمة لا محالة، ما لم يتعلم كيف يتوقف، ولهذا يتحول مدمن العمل من الإنجاز إلى شخص فاقد للكفاءة، يؤدي المهام الروتينية دون تطور، لأنه يركز على أن يظل دائمًا منشغلا عن التركيز على تطوير مهاراته.

  • أمراض نفسية

إدمان العمل يصاحبة مجموعة من الأمراض النفسية مثل الاكتئاب، واضطرابات القلق والتوتر، ويهرب منها الشاب بمزيد من العمل الذي يسبب له مزيدا من الأمراض النفسية بدوره.

فإذا كان سبب إدمان العمل في الأساس هو مشكلة نفسية، فإن العزلة وحصر الحياة في العمل فقط يزيد هذه الأمراض، كما يؤكد استشاري الصحة النفسية محمد هاني.

علاج إدمان العمل

العمل هو مجرد جزء من الحياة وليس الحياة بأكملها، فهناك العلاقات الاجتماعية والعائلية، وأوقات الراحة، وممارسة الهوايات، والتي تعطي للإنسان توازنًا نفسيًا وتجعل حياته طبيعية.

فإذا كنت محبا لعملك، فهذه الاشياء ستساعدك على استكمال العمل والتفوق فيه بأسلوب صحي، بدلا من أن تتحول لمجرد آلة للعمل.

وإذا كنت تتعامل مع الوظيفة على أنها هروب من مشاكلك النفسية، فيجب أن تحل هذه المشاكل أولا وأن تلجأ لمتخصص إذا تعذر عليك الأمر، كما ينصح «هاني».

  • دور المؤسسات

ينسى الشاب نفسه في العمل، ويظن كل مديروه أنه أكثر الموظفين قدرة على تحمل المسئولية ومشاق العمل، وبالتالي يكُلف بالكثير من المهام مقارنة بزملاءه، حتى يصل للحظة الاستنزاف وعدم القدرة على تقديم المزيد.

فإذا كان مدمن العمل يستطيع بالفعل تحمل المسئولية أكثر من زملاءه، لكنه بحاجة إلى التقدير، فالمديرون يجب أن يقابلوا جهده بتوفير إجازات مناسبة ومكافئات تحفيزية، حتى يستطيع أن يداوم على العمل بكامل كفائته، كما يشدد استشاري الصحة النفسية في حديثه لـ«شبابيك».



0
0
0
0
0
0
0