يصر العقل الشعبي دائماً على اختصار المسافات بين المصريين بجميع أطيافهم، عبر صبغ العقائد المختلفة بأفكار تراثية تمتد في جذورها إلى أعماق التاريخ المصري الذي ترك بصمته في كل شيء حتى الممارسات الدينية.

لذا لم يكن مستغرباً أن يربط هذا العقل بين ثلاث مرادفات ربما لا يوجد بينها أي عوامل تكون مدعاة للربط بينها، الربط التراثي الذي نقصده كان بين السيدة مريم العذراء، والسيدة زينب بنت النبي محمد (ص). الباحث عصام ستاتي شرح ذلك في كتابه «مقدمة في الفولكلور القبطي». 

هتافات الموالد

أول معطيات هذا الربط يظهر عبر التشابه بين هتافات تُردد للسيدة مريم العذراء، وهتافات تُردد في مولد السيدة زينب، مثل «يا عدرتنا يا منجدة.. يا أم الشموع القايدة»، وهذا يتشابه مع «يا سيدة يا منجدة.. يا أم الشموع القايدة»، كما أن الطبيعة اللحنية لطريقة أداء المأثور واحدة.

وهذا التشابه في الهتافات بين العذراء، والسيدة زينب يجعلنا نتأكد من استوحاء الصورة المسيحية للعذراء والصورة الإسلامية للسيدة زينب، وأنها تعود إلى صورة أبعد في الذاكرة المصرية وهي صورة إيزيس آلهة القمر، إضافة إلى أن ارتباط العذراء والسيدة بالنور والشموع يبين هذه العلاقة.

كما أن لفظ السيدة العذراء والسيدة زينب وهو ما يقوله الشعبان بـ«الست العدرا» و«الست زينب» يدلل على هذا الارتباط أيضاً. وكلمة «الست» هذه تحريفاً من الكلمة المصرية القديمة «سنت» وتعني في اللغة المصرية القديمة «المرأة العظيمة»، وهو لفظ كان يٌطلق على إيزيس في مصر القديمة.

مقام السيدة زينب

الفقراء والعجائز

عامل مشترك أيضاً زاد من التقارب بين الشخصيات الثلاث في العقل الشعبي المصري يتمثل في ارتباط السيدة مريم والسيدة زينب بالغلابة والفقراء والعجائز والمحتاجين، وهما يتشابهان أيضاً في ذلك مع إيزيس أم المصريين، والتي كان في عيدها – عيد الأم عند المصريين القدماء – يوضع تمثال لها في صينية من الفخار وتوضع هدايا الأم التي بالمنزل داخل هذه الصينية، بينما تقوم الأم بذبح وتوزيع اللحوم على الفقراء تمجيداً لعيد الأم التي ضحت من أجل مصر وذهبت في رحلة بحث عن أبو المصريين أوزوريس من أجل إنجاب منقذ مصر من الشر والخطيئة «حورس».

وهناك أيضاً أمر آخر هو ارتباط الشخصيتين «السيدة العذراء والسيدة زينب» برحلة، أو سفر مثل رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ومجيء السيدة زينب برأس الحسين كما تظن الجماعة الشعبية، وفي ذلك تشابه مع رحلة إيزيس القديمة من أجل تجميع أجزاء أوزوريس المبعثرة. وهذا دليل آخر  يبين خفايا اللاشعور الجمعي لدى الجماعة الشعبية بالتمسك بالهوية والحفاظ على الوطن.

أم النور

هناك دليل آخر في الربط يتمثل في وصف كل من الشخصيتين شعبياً بلفظ «أم النور». بالنسبة للعذراء والتي يقال لها أيضاً «يا عدرا ساعديني يا أمّه»، وكلمة «أمّه» تعني في اللغة القبطية «أم للاحترام»، وكذلك «أم هاشم» و«أم العواجز» للسيدة زينب أو «ماما» تعبيراً عن الاحترام، وتشابه ذلك مع وصف القدماء لإيزيس بـ«أم المصريين» أو «موت نتر» أي «الأم المقدسة».

والمصري أحب النور على مر تاريخه وليس أدل على ذلك من حبه لرمز إله الشمس، وإلى الآن تقسم النساء في صعيد مصر، فتقول «وحياة الشمس الحرة»، وتقول أيضاً «وحياة البهية اللي بتطلع من جبالها»، ويطلق المسيحيون المصريون على السيد المسيح «شمس البر»، وتطلق الصوفية المصرية على الذات العليا «شمس الحقيقة»، وهي نفس الألفاظ التي أطُلقت على «آتون» إله إخناتون الواحد.

إيزيس

 



المصدر

كتاب «مقدمة في الفولكلور القبطي». عصام ستاتي.

0
0
0
0
0
0
0