جميع العظماء في العالم من العلماء ورجال الأعمال والفنانين والسياسيين وغيرهم كان وراء نجاحهم عزيمة عظيمة، فجميعهم مروا بعقبات كبيرة لكنهم ثابروا بلا هوادة، وفي النهاية تمكنوا من تحقيق هدفهم ونجحوا بل وخلدوا أسمائهم.

ولأني قرأت ورأيت كيف حوّل كثير من العظماء فشلهم إلى تدريب يؤهلهم إلى الوصول للنجاح، أصبح  لدي إيمان أن المرء لا يمكن أن ينجح دون أن يفشل.

 للأسف ينظر معظم الناس في مجتمعنا إلى الفشل على أنه خطوة إلى الوراء أو توقف عن التقدم، لكني دائما كنت أرى الفشل خطوة إلى الأمام أو تغيير لاستراتيجيتي في خطة الوصول إلى هدفي و تحقيق حلمي.

بعبارة أخرى، كنت أرى أن الفشل يكشف كيف يمكنني أن أنجح، لأن معرفة طريقي إلى النجاح مثل إجابتي على سؤال متعدد الاختيارات، وبالتالي عندما أفشل فأنا ألغي إحدى الإجابات الخاطئة، وأقترب من الإجابة الصحيحة، و عندما أفشل مرة أخرى فأنا ألغي إجابة أخرى خاطئة إلى أن أصل إلى الإجابة الصحيحة.

وقد أثر هذا الاعتقاد في وجهات نظري في الحياة، وساعدني على تحقيق أهداف كثيرة، مثالا كان أحد أهدافي وأنا طفلة أن أحقق نجاحا كبيرا وأن أكون لاعبة شطرنج، فكنت ألعب مع أصدقائي ومع أي أحد حولي وكنت أخسر، لكني كل مع كل خسارة كنت أقوم بتحسين طريقة تفكيري ولعبي.

وأنا في عمر 13 عاما طلبت من والدي أن أشترك في بطولة للشطرنج كانت تقام في الاتحاد الكويتي للشطرنج – حيث كنت أقيم أنا وأسرتي هناك – وعندما انتهيت من طلبي رأيت في وجه أبي علامات تعجب كثيرة، كانت كل تعابير وجهه تقول لي كيف وأنت لا تعرفين هذه اللعبة؟ كيف وأنه لا يوجد في بيتنا أي شخص يلعبها؟ كيف وأنت فتاة وهذه لعبة للشباب؟

صمت والدي فترة وقال موافق لكن بشرط أن لا يؤثر هذا على دراستك، و شعرت وقتها أن موافقة والدي كانت أول خطوة في طريق حلمي، ودخلت بطولة الشطرنج وكان معظم المشتركين من الذكور ومن أعمار مختلفة، وأتذكر حينها وأنا أدخل أول مرة إلى صالة المباريات، كنت مبهورة بشكل قطع الشطرنج على الطاولات وأتذكر صوت الساعات التي تحدد الوقت للمتنافسين.

كانت أول مبارة لي مع رجل يكبرني بما لا يقل عن 30 عاما، وجلست بكل هدوء أمامه، ووضعت كل هدفي أن أتعلم منه طريقة لعبه، ولم أخف من الخسارة، وبالفعل خسرت المباراة لكني تعلمت فنيات جديدة وعدت للبيت أتدرب كثيرا على ما تعلمته من طريقة لعب هذا الرجل، وذهبت اليوم الثاني للبطولة وتكرر الأمر وفي اليوم الثالث نفس الأمر، حتى وصلت للمباراة السادسة.

كانت المباراة  السادسة أول مرة أفوز فيها، لعبت بشكل مختلف وحصلت على المركز الخامس في هذه البطولة على مستوى الكويت.

تشجعت للالتحاق بالبطولة التالية، واستخدمت نفس العقيدة في التعلم من الفشل، وحصلت على المركز الرابع، واعتبرت أن تقدمي مرتبة يعني أنني أسير في الطريق الصحيح، والتحقت بالبطولة التي تليها وحققت المركز الثاني، وتفاجأت أسرتي بما حققته وساعدوني في الاشتراك بمسابقات أخرى، حتى حصلت على المركز الأول في البطولة، واحتفظت بهذا المركز حتى أنهيت دراستي في الثانوية وعدت لمصر.

أصبحت متأكدة أن كل خسارة خسرتها كانت تحسن أدائي وأن إصراري أدى إلى لحظة سعيدة للغاية في حياتي: أول نجاح لي في شيء اختاره أنا وليس فقط في دراستي التي هي أمر متاح لكل أقارني.

الآن كلما نظرت إلى الوراء أدركت أنني في كل مرة أخفقت، أقترب بالفعل من الطريق الصحيح، وهذا طبقته بعد ذلك في كل شيء في حياتي، فعملية المراجعة والخطأ هذه جعلتني أحقق الكثير من أهدافي.

إن التغييرات التي يقوم بها المرء، والتحسينات من تجربة إلى أخرى يؤدي إلى النجاح، وفي الحياة نجد أحيانا إنسان يفشل في مهنة معينة أو يطرد منها أو يظلم فيها، لكنه ينجح في مجال آخر ببساطة إذا ما حاول معرفة أين تكمن موهبته الحقيقية، فالفشل في مجال واحد مستحيل أن يعني الفشل في جميع المجالات، لأن كل واحد مننا خلق لهدف ولابد أن ينجح فيه إذا استمر في التعلم والفشل وأصر على أن لا يخرج من الدنيا بدون ترك بصمته.

ومن ينتهج هذا الفكر سوف يصل في النهاية للنجاح في أي أمر أو مشروع، لأن النجاح يولد نجاح.

لذلك اعلم أن الفشل هو نقطة انطلاق للنجاح، وأن جنة النجاح لا يصل إليها الناس دون أن يمروا بمحطات التعب والفشل واليأس، وصاحب الإرادة القوية لا يطيل الوقوف في هذه المحطات.

الدكتورة غادة عامر أستاذ بقسم الكهرباء في كلية الهندسة جامعة بنها، ونائب رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، اختيرت ضمن قائمة ‏أهم 20 امرأة في العلوم الأكثر نفوذا وتأثيرا في العالم الإسلامي.

المقال المنشور يعبر عن رأي كاتبه، وليس لشبابيك تدخل في محتواه

 



0
1
0
0
0
0
0