لطالما مثل شهر رمضان حالة خاصة للمصريين على مر العصور، فاحتفلوا به بطريقة اختلفت من آن لآخر وإن تشابهت بعض أساليب الاحتفال في بعض الجوانب.

وفي العصر المملوكي كان سلاطين المماليك وعامة الناس على اختلاف طبقاتهم يحتفلون بحلول رمضان منذ ظهور هلال الشهر الجديد. وقد شهد ابن بطوطة الاحتفال بهذه المناسبة ووصفه وصفاً دقيقاً بقوله إن فقهاء المدينة ووجهائها كانوا يجتمعون في اليوم الـ29 لشهر شعبان بدار القاضي، ويقف على الباب نقيب المتعممين وهو ذو إشارة مهيبة حسنة.

فإذا أتى أحد الفقهاء أو أحد الوجوه تلقاه ذلك النقيب، ومشى بين يديه قائلاً «باسم الله سيدنا فلان الدين»، فيسمع القاضي ومن معه فيقومون له، ويجلسه في مجلس يليق به فإذا اكتمل عددهم ركبوا جميعاً وتبعهم جميع من في المدينة من الرجال والنساء والصبيان يتوجهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالفرش.

بعد ذلك ينزل القاضي ومن معه، فيرقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون وهكذا يفعلون في كل سنة.

العلاليق والشموع

وفي ليالي شهر رمضان كانت أسواق المدن والأقاليم تزدهر احتفالاً بهذه المناسبة، فتظل المطاعم والمطابخ مفتوحة طوال الليل لكي تستقبل زبائنها. كما كانت تنتعش أسواق الحلويات والشماعين، فتُصنع التماثيل من السكر التي كانت تعرف باسم «العلاليق» لأنها كانت تعلق بخيوط على أبواب الحوانيت.

كان سوق الشماعين (يقع بالجمالية) يتلألأ في ليالي هذا الشهر بأضواء مختلفة من أنواع الشموع، وقد كانت تباع بهذا السوق كميات كبيرة تصل إلى عشرة أرطال، أما الشموع الضخمة فكانت تصل إلى ما يزيد القنطار، حيث كانت تؤجر لكي تستخدم في موكب صلاة التراويح.

وكان هذا الموكب يجتمع حوله إحدى الشموع الضخمة يجرها الأولاد على عجلات، وقد أمسك كل منهم بفانوسه وهم يرددون أغاني دينية، ويطوف الموكب المضيء البلد من بعد المغرب حتى موعد صلاة العشاء والتراويح.

موكب ختم القرآن

ومن عادات شهر رمضان الاحتفال بختم القرآن الكريم بأحد المساجد، فكان المؤذنون يجتمعون للتكبير ثم يؤتى بفرس يركبها القارئ الذي تولى ختم القرآن ويذهب في موكب مع التهليل والتكبير ويزفوه إلى بيته في موكب هائل وأمامه القراء يقرأون والمؤذنون يكبرون والفقراء يذكرون، وربما أضاف بعضهم إلى ذلك ضرب الطبل والدف والأبواق.

وكانت قراءة صحيح البخاري بالقلعة من أهم المظاهر الرسمية لإحياء شهر رمضان. وجرت العادة أيام السلطان شعبان أن يبدأ بقراءة البخاري في أول يوم من شهر رمضان بين يدي السلطان، ويحضره طائفة من القضاة والفقهاء.

ولم يزل الأمر على ذلك حتى تسلطن المؤيد شيخ، فجعل قراءة البخاري بالقلعة تبدأ من أول شعبان وتستمر حتى السابع والعشرين من رمضان.

وزاد على ذلك أن دعا لحضور ذلك المجلس جمعاً كبيراً من مشايخ العلم والطلبة، حتى زاد عددهم إلى 60 فقيهاً صرف لكل منهم 1000 درهم.

وكانت تدور في هذه المجالس بحوث، ربما اشتدت فيها المناقشات والجدل حتى يسيء بعضهم إلى بعض، فينقلب المجلس إلى صياح وشتائم، ما جعل المؤرخ تقي الدين المقريزي يصف هذه المجالس بأنها «منكر في صورة معروف، ومعصية في زي طاعة»، وذلك نظراً لما تثيره من حزازات بين رجال العلم والدين.

وقد عالج «السلطان جقمق» هذا الأمر بأن منع الحاضرين من المناقشة أثناء المجلس، فإذا خُتم البخاري احتفل السلطان بذلك احتفالاً كبيراً في القلعة، فترسل الخُلع إلى القضاة والعلماء والفقهاء، وتوزع الأموال على الناس.

سراح المساجين

وكان إذا اقترب رمضان أطلق السلاطين سراح المساجين من السجن، ويعتق الواحد منهم 30 نسمة أي بعدد أيام الشهر.

كما استغل المماليك ليالي رمضان كفرصة لأعمال البر والإحسان وتقديم المعونة للفقراء والمحتاجين. فالسلطان برقوق اعتاد أن يذبح طوال سلطنته في كل يوم من أيام رمضان 25 بقرة، يتصدق بلحومها مع ما يُطبخ من الطعام وما يُخبز من آلاف الأرغفة على أهل الجوامع والخوانق (أماكن كان يقيم فيها المتصوفة) والسجون، بحيث يخص كل فرد رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة.

أما الظاهر بيبرس البندقداري فكان يطعم في كل ليلة 5000 شخص، وكان في أول ليلة من الشهر يرتب بمصر والقاهرة مطابخ يطبخ فيها أنواع الأطعمة وتفرق على الفقراء والمساكين.

أما عامة الناس فقد كثرت اجتماعاتهم وزياراتهم، فإذا تخلف أحدهم عن زيارة قريبه أو صاحبه أو معلمه في شهر رمضان أدى ذلك إلى سوء تفاهم بين الطرفين.




المصدر

*كتاب «المجتمع المصري في عهد سلاطين المماليك». الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور.     *دراسة ماجستير «الاحتفالات في عصر المماليك». نبيل جميل قرحيلي.

0
0
0
0
0
0
0