لم تكن الجزيرة العربية في الحقبة السابقة على البعثة المحمدية مليئة بالظلاميات والأضاليل والمنحلين أخلاقياً كما يصر البعض على وصفها بذلك،  بل كان هناك نسق قيمي يحكم أهلها.

خير دليل على ذلك أن الإسلام ورث واستعار العديد من الأنظمة التي كانت سائدة بين عرب الجزيرة في شتى المجالات الدينية، والأخلاقية، والسياسية، والاقتصادية. وهذا ما تناوله خليل عبد الكريم في كتابه «الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية».

تعظيم الكعبة والبلد الحرام

على الرغم من وجود 21 كعبة قبل الإسلام في جزيرة العرب، فإن القبائل العربية قاطبة أجمعت على تقديس كعبة مكة، وحرصت على الحج إليها، ويستوي في ذلك من القبائل من كانت لديه كعبة خاصة مثل غطفان.

ومن شدة تقديس العرب للكعبة أن الرجل منهم كان يرى قاتل أبيه في البيت الحرام فلا يمسه بسوء. وكان العرب يجلون أهل مكة (قريشاً) ويسمونهم «أهل الحرم»، وكان الإصهار إليهم يتعبر شرفاً لا يتطاول إليه إلا بعض شيوخ القبائل وأهل الرفعة فيهم.

وجاء الإسلام فأبقى على تقديس الكعبة ومكة، وأطلق عليهما القرآن الكريم العديد من ألقاب التشريف والمعرف، وجعلها كما كانت أمناً وأماناً، كذلك اعتبر الانتساب إلى قريش هو ذروة المكانة والشرف، حتى أن بعض المذاهب الفقهية أباحت طلاق القرشية وخاصة الهاشمية إذا تزوجت من غير القرشي (هاشمي) لعدم الكفاءة.

الحج والعمرة

كان العرب قبل الإسلام يحجون في شهر ذي الحجة من كل عام، وكانوا يقومون بذات المناسك التي يقوم بها المسلمون، باستثناء بعض الاختلافات في التلبية حيث كانوا يرددون عبارات مختلفة.

وجاء الإسلام وورث من العرب هذه الفريضة بذات المناسك ونفس التسميات ولكنه طهرها من مظاهر الشرك مثل العبارات التي كانت تتضمنها التلبية، كما نهى عن طواف العرايا. وكان بعض العرب يفعل ذلك لا من باب الانحلال الخلقي كما يحاول أن يوهم البعض، ولكن لشدة تقديسهم للكعبة ولحجرها الأسود، ويهابون أن يطوفوا بها أو يقبلوه بالثياب التي قارفوا فيها ذنوباً أو أفعالاً لا تناسب مقامهما.

تقديس شهر رمضان

كان المتحنفون (نسبة إلى الحنفية وهي حركة دينية ظهرت قبل الإسلام أقبل أصحابها على الزهد) يقدسون شهر رمضان ومنهم عبدالمطلب جد الرسول محمد (ص)، فكان إذا جاء هذا الشهر شد مئزره وطلع إلى غار حراء وتحنث فيه وأمر بإطعام المساكين طوال الشهر وكذلك زيد بن عمر وبن نفيل عم الفاروق عمر بن الخطاب.

 

الأشهر الحرام

كانت العرب قاطبة تعتبر أشهر ذي القعدة وذي الحجة ومحرم ورجب أشهراً حرماً لأنه يقع فيها موسم الحج إلى أكبر الكعبات وأقدسها وهي كعبة مكة وهي (ذو القعدة وذو الحجة والمحرم)، أما رجب فهو شهر العمرة. وقيل إن سبب التسمية أن العرب كانت لا تستحل القتال فيها إلا قبائل حيان خثعم وطيئء فإنهما كانا يستحلانه في الشهور كلها.

وكان القتال كثيراً ما ينشب بين القبائل لأسباب عديدة منها إعتباره كمورد رزق، فاتخذت الأشهر الأربعة فرصة لتوقف القتال ولأداء الحج والعمرة. ولما جاء الإسلام أبقى على شعيرة تحريم هذه الأشهر وحرم القتال فيها.  

تعدد الزوجات

كان العرب يجيزون تعدد الزوجات إلى غير حد، ولما جاء الإسلام أقر هذا التعدد وقيده بأربع زوجات. ولكن هذا القيد لم يكن عائقاً أمام العرب الذين لم يكونوا يستسيغون تحديد عدد الزوجات فكان الطريق إلى الإفلات منه والاستمتاع بأي عدد من الزوجات هو الطلاق، فمن حق المسلم أن يطلق زوجته ويتزوج غيرها بشرط ألا تجتمع لديه في وقت واحد أكثر من أربع زوجات هذا بخلاف الإماء أو الجواري أو السراري أو ملك اليمين فهؤلاء لا حد على امتلاك أي منهن.

الاستجارة والجوار

كان العربي القديم يستجير ويجير. يستجير إن كان ضعيفاً لا ناصر له، ويجير إذا كان قوياً ذا منعة. وإذا قال: فلان دخل في جواري، أو فلان استجار بي فمعنى ذلك أنه أسبغ حمايته عليه، فإذا تطاول أحد على المستجير كان معنى ذلك أنه قد نقض ذمة المجير واعتدى على جواره، ولا رد على ذلك أبلغ من قتل المعتدي وإعلان الحرب على عشيرته إذا حالت بينه وبين من انتهك جواره.

ولما جاء الإسلام استعار هذا التقليد أو بعبارة أخرى وافق القبائل العربية التي سبقته، فأقر الإجارة أو الجوار حتى ولو كان المجير امرأة والمستجير لا يدين بالإسلام.

الشورى

عرف العرب الشورى قبل الإسلام. وكانت كل قبيلة تنقسم إلى قسمين هما الملأ والقبيل. أما الملأ فهم الذكور الذين جاوزوا سن الأربعين ومن وجهاء القبيلة وهم الذين كانوا يختارون شيخ القبيلة أو رئيسها ثم يجلسون معه للتشاور في أمور القبيلة الحربية والسياسية والاقتصادية والإجتماعية.

أما القبيل فهم أفراد القبلية سواء من أصلها أو من مواليها، وغالباً ما يكونون من الفقراء والضعفاء وهؤلاء لا يحق لهم الجلوس في مجلس الشورى.

وقد عرف العرب قبل الإسلام الشورى بذات الصورة التي وُجدت في الإسلام، لأن هذه الأخيرة هي نسخ لصورة القديمة. أقرب مثل تاريخي في ذلك هو دار الندوة في مكة التي كان ملأ قريش يجتمعون بها للتشاور في كافة الأمور، وكان لا يعقد لواء في الحرب ولا يعقد أي زاوج إلا فيها ولا تخرج قافلة في التجارة إلا منها.

بل إن رؤساء القبائل من غير قريش كانوا يجتمعون فيها للتشاور والتداول في الأمور التي تهمهم ومن ثم كانت تسمى «نادي العرب».

 



المصدر

كتاب «الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية».خليل عبدالكريم.

1
1
1
0
1
0
1