تجلس في هدوء ثم تنفتح نافذة الغرفة فجأة أو يقترب منك أحدهم بخطوات خفيفة لا تتوقعها؛ لتجد نفسك تنتفض ويصيبك الذعر.. تشعر بخفقان مفاجئ في القلب مع تسارع النبضات ورجفة في جسمك، ثم بعد ذلك تدرك أن الأمر لا يستدعي القلق فترجع للهدوء ولحالتك الطبيعية .. هذا ما يعرف باسم الفزع أو «الخضة» في اللغة الدارجة.

قديما كانوا يستخدمون «طاسة الخضة» وهي عبارة عن وعاء نحاسي منقوش عليه آيات القرآن وبعض العبارات غير المفهومة وينقع فيه التمر، ويتناوله الشخص الذي يصاب بالـ«خضة» كثيرا وفي مواقف لا تستدعي الخوف إطلاقا.

وبعيدا عن الموروث الشعبي، فإذا كنت تصاب بهذه الحالة من الفزع أو «الخضة» بصورة مبالغ فيها، فهذا ليس أمرا طبيعيا، فهو مؤشر على اضطرابات نفسية تستدعي زيارة الطبيب، كما يقول أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، الدكتور سعيد عبد العظيم في حديثه لـ«شبابيك».

«نشبه هذا الشخص الذي يصاب بالفزع كثيرا بأن أسلاكه عارية أو ملمسة؛ فهو مصاب بمستوى عالي جدا من التوتر الداخلي، فأي صوت أي حركة عادية تصيبه بالرعب والفزع الشديد».. يستكمل أستاذ الطب النفسي حديثه.

الفزع واضطرابات القلق

«حاسس بمصيبة جاية لي يا لطيف يا لطيف».. على رأي نجيب الريحاني في الفيلم الشهير «غزل البنات».. فاضطراب القلق هو شعور الشخص طوال الوقت بأن هناك شيئا سيحدث، أو القلق المفرط تجاه أشياء لا يفترض بها أن تثير الخوف بهذا الشكل.

  • ماذا يحدث في حالة القلق المفرط؟

«القلق مثل الملح، رشة صغيرة منه تحسن حياتنا، فالقلق من الامتحانات يجعلنا نجتهد في المذاكرة، أما إذا وضعنا نصف كوب من الملح على الطعام، فسيفسد تماما».

يشرح أستاذ الطب النفسي لماذا يصاب الإنسان بالقلق، فيقول: عندما نشعر أننا في موقف صعب أو خطر، تنشط مراكز القلق في المخ الذي يرسل إشارات لغدة فوق الكُلي بإفراز هرومني الأدرنالين والكورتيزول، اللذان يمدان الجسم بكمية طاقة هائلة تمكنه من مواجهة الخطر أو الهرب، فتزيد ضربات القلب وترتفع نسبة السكر في الدم الذي يتتدفق بسرعة إلى أجزاء الجسم ليحفز العضلات على بذل مجهود أكبر من المعتاد.

وبمجرد تفريغ هذه الطاقة بمواجهة الخطر أو الهرب منه يعود الجسم بالتدريج لحالته الطبيعية، فالمخ أيضا به مراكز مسئولة عن الهدوء النفسي وتعمل بالتبادل مع مراكز القلق.

المشكلة هنا أنه في حالة اضطرابات القلق، يتوهم الإنسان أنه في حالة خطر حقيقية، لكن المخ لا يفرق بين الخطر الحقيقي والوهم، وبالتالي تتحفز مراكز القلق، وهذا هو سبب الشعور بالأعراض المصاحبة للتوتر أو الفزع، مثل الخفقان ضربات القلب السريعة والرعشة والانتفاضة ، بسبب دفعة الطاقة في الجسم وتأهبه للمواجهة لا إراديا؛ كما يتابع «عبد العظيم».


 

الامتحانات.. الضائقة المالية.. الخوف من المستقبل.. أو الخوف من أشياء معينة مثل الأماكن المغلقة أو المرتفة كلها تؤدي إلى اضطرابات القلق، وتجعل الإنسان أكثر حساسية فيشعر بالفزع والخوف لأشياء لا تستحق.

الفزع وأثر ما بعد الصدمة

«الجنود العائدون من حرب 1967 والذين شاهدوا زملائهم يستشهدون بسبب ضرب الطائرات الإسرائيلية لهم طوال الطريق، كانوا بعد دخولهم للمستشفى إذا سمعوا أي صوت يصابون بالفزع وينتفضون من السرير؛ فمن نجا من الحرب أصيب باضطراب نفسي اسمه كرب ما بعد الصدمة».

كرب ما بعد الصدمة هو اضطراب نفسي آخر يرتبط بحالة الفزع المفاجئ، فهو يحدث نتيجة التعرض لصدمة نفسية شديدة، كأن يتعرض الفرد لحادث يموت فيه جميع أفراد أسرته أو تتعرض الفتاة للاغتصاب، فأثر الصدمة يجعل عقل الإنسان في حالة قلق واسترجاع دائم للحادث كأنه يعيشه بنفس التفاصيل والمشاعر مرة أخرى... يتابع أستاذ الطب النفسي حديثه لـ«شبابيك».


 

هذا الاضطراب يجعل الإنسان في حالة ترقب دائمة، فإذا تعرض الشخص لحادث حريق مروع، فإنه سيصاب بالفزع الشديد إذا مر بجوار طفل يلعب بالألعاب النارية مثل «البمب والصواريخ».

اضطرابات نفسية أخرى تسبب الفزع

الحساسية الزائدة والتوتر واضطرابات القلق ترتبط بأمراض نفسية أخرى، فقد يكون الإنسان مصاب بالاكتئاب مع اضطرابات القلق أو مصاب بمرض الفصام الذي يكون مصاحبا لاضطرابات القلق كذلك.

العلاج

إذا شعرت أنك تنتطبق عليك واحدة من الأعراض السابقة أو تنطبق على أحد معارفك، فيجب زيارة الطبيب النفسي فورا الذي سيصف لك العلاج الدوائي والسلوكي.

فمرضى القلق يستجيبون للمهدئات التي تعتبر أدوية جدول لا يتم صرفها إلا تحت إشراف الطبيب، وهناك أدوية أخرى تعمل من خلال الناقلات العصبية، مثل أدوية الاكتئاب التي تستخدم في تهدئة حالات القلق، وهذه الأدوية لا تسبب الإدمان.

أما العلاج النفسي فهو أنواع كثيرة أشهرها العلاج المعرفي السلوكي وينقسم لجزأين، هما  المعرفي وهو تغيير أفكار المريض تجاه الأشياء التي يخاف منها ولا يفترض أن تسبب كل هذا الخوف.

والعلاج السلوكي هو تغيير سلوك تجاه الأشياء التي يقلق منها بالتدريج.


 

وهناك العلاج النفسي التحليلي الذي يبحث في الأسباب القديمة التي تسببت في هذه المشكلة مثل عوامل التربية أو العامل الوراثي أو نمط الشخصية هناك شخصية قلقة بطبعها، لكن في فترات معينة يزيد هذا القلق عن الحد.

ويؤكد «عبد العظيم» على ضرورة الالتزام بتعليمات الطبيب فيما يخص العلاج؛  فبعض اضطرابات القلق تصبح مزمنة وتحتاج للاستمرار على العلاج النفسي والدوائي للمدة التي يحددها الطبيب حتى لو كانت طوال الحياة.. «فبعض المرضى عندما يشعرون بالتحسن يتوقفون عن العلاج ثم تحدث لهم انتكاسة بعد فترة» كما يوضح أستاذ الطب النفسي في حديثه لـ«شبابيك».



1
2
1
1
0
1
0