قد لا يصدق أحد أن نجيب محفوظ كان في يوم من الأيام «كابتن» في كرة القدم، وأنه كان عاشقا لها أثناء دراسته بالمرحلتين الإبتدائية والثانوية، ولم يأخذه منها سوى الأدب، ولو داوم على ممارستها فربما أصبح نجماً من نجومها البارزين.

يقول نجيب: علاقتي بالكرة ترجع إلى الفترة التي انتقلنا فيها إلى العباسية. كنت وقتذاك قد التحقت بالمدرسة الإبتدائية، واصطحبني شقيقي ذات يوم لزيارة صديق حميم له كان بيته يطل على محطة للسكة الحديد، وعندما فرغنا من تناول الغداء اقترح أن يصطحبنا لمشاهدة مباراة في كرة القدم بين فريق مصري وآخر إنجليزي، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما فاز الفريق المصري

أديب نوبل كشف عن أسرار علاقته بالساحرة المستديرة في مذكراته التي دونها الناقد رجاء النقاش في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ». «شبابيك» يعرض جزءً منها كما جاءت على لسانه.

بداية العشق

يقول نجيب: علاقتي بالكرة ترجع إلى الفترة التي انتقلنا فيها إلى العباسية. كنت وقتذاك قد التحقت بالمدرسة الإبتدائية، واصطحبني شقيقي ذات يوم لزيارة صديق حميم له كان بيته يطل على محطة للسكة الحديد، وعندما فرغنا من تناول الغداء اقترح أن يصطحبنا لمشاهدة مباراة في كرة القدم بين فريق مصري وآخر إنجليزي، وكم كانت دهشتي كبيرة عندما فاز الفريق المصري، فقد كنت أعتقد حتى ذلك الوقت أن الإنجليز لا ينهزمون حتى في الرياضة.

رجعت يومئذ إلى البيت وذهني كله معلق بكرة القدم، وبأسماء لاعبي الفريق المصري الذي هزم الإنجليز، خاصة كابتن الفريق حسين حجازي، نجم مصر ذائع الصيت في ذلك الوقت. وطلبت من والدي أن يشتري لي كرة، وألححت عليه حتى وافق، وبدأت أقضي وقتاً طويلاً في فناء المنزل ألعب الكرة بمفردي، ومحاولاً تقليد ما شاهدته في تلك المباراة التي خلبت عقلي، وبسرعة شديدة استطعت أن أتقن المبادئ الأساسية للعبة.

لاعب كرة القدم حسين حجازي

جناح أيسر

وفي المدرسة الإبتدائية انضممت إلى فريق «التيمبل» وهو فريق الطلاب الصغار ولعبت في مركز الهجوم، وتحديداً في مركز الجناح الأيسر رغم أنني لا أجيد اللعب بقدمي اليسرى، وكان ذلك المركز يحد كثيراً من حركتي، مع ذلك كنت هداف الفريق.

ولما انتقلت إلى مدرسة فؤاد الأول الثانوية تغير مركزي وأصبحت ألعب كقلب دفاع، وأجدت في المركز الجديد لدرجة أن كثيرين ممن شاهدوني في ذلك الوقت تنبأوا لي بالنبوغ في كرة القدم، وبأنني سألعب في أحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطني، ومن هنا كانت دهشة زملائي عندما انتقلنا إلى الدراسة الجامعية، ورفضت الانضمام إلى فريق الكرة بالجامعة. ومنذ ذلك الحين، انقطعت صلتي بكرة القدم من ناحية الممارسة، ثم انقطعت صلتي بها من ناحية المشاهدة والمتابعة بعد اعتزال الكابتن حسين حجازي.

لما انتقلت إلى مدرسة فؤاد الأول الثانوية تغير مركزي وأصبحت ألعب كقلب دفاع، وأجدت في المركز الجديد لدرجة أن كثيرين ممن شاهدوني في ذلك الوقت تنبأوا لي بالنبوغ في كرة القدم، وبأنني سألعب في أحد الأندية الكبيرة، ومنها إلى الأولمبياد مع المنتخب الوطني

اللاعب الأسطورة

وحسين حجازي عندي هو حقيقة رأيتها وأسطورة سمعت عنها. رأيته فى أواخر حياته الكروية قبل الاعتزال، ونظرًا لشعبيته الرهيبة وموهبته الفذة ظل يمارس اللعب حتى شارف الأربعين من عمره، وهي سن كبيرة بالنسبة للاعبي كرة القدم، ففي الغالب يعتزل النجوم بعد تخطي سن الثلاثين بقليل.

وحتى في هذه السن المتقدمة كان «حجازي» له ثقله في الملعب، وفي المرات التي شاهدته أعجبتنى فيه ميزات، منها أنه يقوم بدور المايسترو خير قيام، كما أن لعبه كان نظيفًا، فلم يحدث أن ارتكب خطأ متعمداً ضد لاعب من الفريق المنافس، ومنها أيضاً قوة تسديداته على المرمى لدرجة أنه كثيراً ما كان يسدد الكرة من منتصف الملعب فتدخل المرمى.

من النجوم المشهورين أيضاً في تلك الفترة علي الحسني وكان من فتوات بولاق، ويلعب في مركز قلب الدفاع، وتميز ببنيانه القوي وطريقة لعبه العنيفة، وإن كان «مرعي» حارس المرمى أشد عنفاً، حيث كان شعاره في اللعب «اللي يفوت يموت».

قلب الأسد والخطيب

وإذا كان حسين حجازي هو كابتن الفريق المصري، فقد كنت أنا كابتن فريق «قلب الأسد» الذي كونته مع أصدقائي في العباسية أثناء دراستي في الإبتدائية، وكان مقره في شوارع المنطقة.

كنا نستضيف أحياناً فرقاً من الأحياء المجاورة في مباريات ساخنة، ونذهب لنلاعبهم في أرضهم بالمثل، وعندما أخذني الأدب واستغرقتني القراءة والكتابة لم أستمر في متابعة ومشاهدة الأجيال الجديدة.  

وأذكر أن أحد الصحفيين رتب لقاءً مشتركاً بنجم الكرة محمود الخطيب، وكان وقتها نجم النجوم وحديث الناس، ولم أشأ أن أخبره خلال اللقاء بانقطاعي عن مشاهدة الكرة، وأن علاقتي بها انقطعت مع اعتزال حسين حجازي.

والملاحظة التي لفتت نظري أن نجوم كرة القدم أصبحوا أكثر ثراءً من نجوم السينما، بينما كان دخل لاعب الكرة قديماً ضعيفاً جداً، حتى أن علي الحسني بعد اعتزاله لم يجد ثمن الدواء.

وكان اللاعب قديماً يمارس الكرة على سبيل الهواية، بينما كانت له حرفة أخرى يتكسب منها رزقه. ولم يكن يتفرغ لها إلا أولاد الذوات مثل حسين حجازي، فهو ابن أحد الأعيان. وأذكر أثناء عملي في وزارة الأوقاف أن قابلني شاب عرفني بنفسه على أنه ابن حسين حجازي، فصافحته بحرارة شديدة وقلت له: «تعالى لما أبوسك.. دا أنا صفقت لأبوك لما إيدي اتهرت».

محمود الخطيب

 




المصدر

كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ». رجاء النقاش.

0
0
0
0
0
0
0