في ثلاثينيات القرن الماضي كان عبد الكريم صقر الذي لم يبلغ الـ15 من عمره يسحر القلوب وينتزع آهات الجماهير وهو يراوغ المدافعين وحرّاس المرمى، ثم يعاود المراوغة مرة ثانية قبل أن يلمس الكرة لمسة خفيفة لتحتضن الشباك.

غير أن الحياة الغرائبية التي عاشها هذا اللاعب جعلت كاتباً مثل إحسان عبدالقدوس يكتب عنها. يكتب قصة لاعب كبير أمتع الجماهير بلمساته ومهاراته على البساط الأخضر، بينما تعثرت خطواته في الحياة، بعد أن عاش حياة عاطفية ملتهبة تشبه قصص السينما والروايات. أشرف عبد الشافي روى القصة كاملة في كتاب «المثقفون وكرة القدم».

شوارع العباسية

في حي العباسية ولد عبدالكريم صقر عام 1921، وفي شوارعها الفسيحة آنذاك لمع ذلك الفتى وكان موهوباً موهبة غير عادية، ويمتلك مهارات لا يمكن وصفها.

تفتحت عيناه فوجد كل أقاربه وأصدقائه يلعبون الكرة وأهمهم محمود مختار صقر لاعب الأهلي، وابن عمه المقرب إليه ممدوح صقر، لذا كان من الطبيعي أن يجري حب الكرة في دمه فشهدت شوارع العباسية نبوغه وعبقريته.

ولعب خال عبدالكريم، طلعت باشا حرب مؤسس بنك مصر والأب الروحي للاقتصاد المصري، دوراً مهماً في عشق الساحرة المستديرة حيث كان يشجعه ويقدم له الهدايا.

ومن تلك الأسرة العريقة بدأت نجومية «عبد الكريم» في لقاء مدرسته فؤاد الأول الثانوية أمام مدرسة السعيدية وأحرز هدف فوز فريقه ببراعة فائقة. كان هذا الهدف بداية مرحلة نجومية جديدة فقد شاهده الراحل محمود التيتش فأدرك برؤيته الفنية الفذة وخبرته قيمة هذا اللاعب الصغير، فضمه إلى النادي الأهلى وتولاه بالرعاية الفنية.

ولكن الحظ العاثر وقف حائلاً أمام أحلام «عبد الكريم» في أول مباراة يلعبها مع الفريق الأول، فأصيب بإحباط شديد لولا مساندة «التتش» الذي أصر على إشراك النجم الصغير في اللقاء الثاني مباشرة لفريق الأهلي وكان أمام الزمالك، وانتهى اللقاء لصالح الأهلي بـ 5 أهداف مقابل هدف واحد، وأحرز «عبد الكريم» هدفين صالح بهما جماهير الأهلي التي حملته على الأعناق.

الحاوي والأولمبياد

بعد المباراة أصبح «كرم» كما لقبته الجماهير، هو الساحر الذي يمتلك قدرات غير عادية في التحكم بالكرة، خاصة حين يراقصها على رأسه لفترات طويلة بمنتهى البراعة، فأطلقوا عليه لقب «الحاوي». ولطالما استعرض مهاراته منفرداً أمام الملك ورؤساء الحكومات.

وكان هذا النبوغ وراء تحقيق المعجزة. شارك في دورة برلين عام 1936، وكان في الـ15 من عمره فاعتبر أصغر لاعب يشارك في هذه الأولمبياد، كما شارك في دورة لندن الأوليمبية عام 1948، وكان من أوائل اللاعبين الذين خاضوا تجربة الاحتراف في الخارج مع صديق عمره محمود الجندي حيث سافرا معاً إلى إنجلترا، واحترف بنادي «هيدروزفيلد» قبل أن يعود لمصر ثانية.

إنضم عبد الكريم صقر للزمالك عام 1938 في أكبر صفقة انتقال من الأهلي إلى الزمالك مقابل 50 جنيها مصريا، وزاد إنتقاله من شدة المنافسة بين قطبي الكرة المصرية إلا أنه عاد للقلعة الحمراء بعد عودته من تجربة الاحتراف.

وفي عام 1957 اعتزل «كرم» لكن أحداً لم ينس موهبته، فطلبوه في المناسبات والمهرجانات الرياضية ليقدم فواصل كروية يستعرض فيها مهاراته وقدراته في التحكم بالكرة.

الراقصة اليونانية

ما مضى صفحة رآها الجميع مكتوبة بفن اللعبة وسحرها، لكن هناك عى ظهر تلك الصفحة حياة أخرى حافلة بالعشق والانكسار والهزيمة. على شواطئ الإسكندرية بدأت القصة مع تلك النظرات التي اخترقت قلب «كرم»، كانت فتاة يونانية قيل إنها راقصة محترفة بالملاهي الليلية وقيل غير ذلك، لكن الثابت أنها طاردت اللاعب الشهير، تعقبت خطواته في كل مكان حتى وقع في غرامها فنسي الدنيا وقتها وأصبحت هي كل شيء.

ومثل لاعب كبير أضاع فرصة ذهبية فضرب رأسه بالعارضة، راح «كرم» يصوب الكرات خارج المرمى وراحت الفرص الذهبية تضيع واحدة تلو الأخرى. من هنا تخيل إحسان عبدالقدوس قصة عبدالكريم صقر الذي كان يتقاضى 500 جنيه شهرياً، في ذلك الوقت الذي كان يتقاضى خلاله رئيس وزراء مصر راتباً لا يزيد عن 100 جنيه شهرياً، وكان البيت المصري المتوسط يكفيه طوال الشهر 5 جنيهات فقط.

بدأت الفتاة تستنزف «كرم» وتدفقت أمواله عليها، ولم يستطع أن يتخلص منها، وكأن «نداهة» قد جذبته إلى عالمها فنسي شهرته وحياته وتاريخه، وتسرب الدمار إلى أسرته فانفصل عن زوجته السيدة ليلى لبيب التي رفعت ضده دعاوى قضائية كثيرة للحصول على نفقة شهرية كبيرة، وحكمت لها المحكمة بالفعل بـ 23 جنيها شهرياً للإنفاق على نفسها وعلى أطفالها، وكان مبلغاً ضخماً آنذاك.

طعن «صقر» في الحكم، ورفض الدفع فتراكم عليه المبلغ، وصرخ في المحاكم بأعلى صوته بأنه لا يمتلك هذا المبلغ، وأنه يعيش في منزل صديق له بالإسكندرية وكان هذا في عام 1958.

لكن زوجته أكدت أنه أضاع كل ما كسبه من الكرة مثل فلوس الاحتراف وكذلك ما ورثه بعد وفاة والدته وكان يقدر بحوالي 13 فداناً على الفتاة اليونانية التي غرق في حبها وأنفق عليها كل ما يملك.

ضيق العيش

عاش عبد الكريم صقر بعد ذلك لسنوات طويلة في ضيق من العيش، وعندما تعرض لأزمة صحية خلال فترة الثمانينيات من القرن العشرين، وعلم بذلك الدكتور عبد الأحد جمال الدين رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة الأسبق أمر بدراسة حالته ومساعدته مادياً عن طريق المجلس تقديراً لتاريخه الكروي، كما خصص له نادي الزمالك معاشاً شهرياً كان يكفيه بالكاد.

وكتب إحسان عبد القدوس القصة متصوراً أو متخيلاً أن قدم اللاعب الشهير خانته في مباراة دولية مهمة فاحتضن القائم وسقط داخل المرمى بدلاً من الكرة، وحملوه إلى المستشفى، ودخل في غيبوبة ليتذكر أمجاده القديمة.



المصدر

كتاب «المثقفون وكرة القدم». أشرف عبد الشافي.

0
0
1
0
0
1
2