التعليم الدراسي ليس الطريق الوحيد للنجاح في الحياة، فهناك كثيرون انقطعوا عن الدراسة لأسباب متباينة منها فقر الحال، أو المرض، أو لظروف اجتماعية وأسرية، ورغم ذلك لمعت مواهبهم الفريدة واستغلوها أفضل استغلال حتى أوصلتهم إلى ذروة النجاح والشهرة.

«شبابيك» يستعرض في هذا التقرير عباقرة الأدب والشعر ممن أجبرتهم الظروف على ترك التعليم الدراسي لكنهم سطروا أسمائهم ضمن قائمة العظماء.

عباس محمود العقاد

ولد في مدينة أسوان في 28 يونيو 1889، ونشأ في أسرة كريمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية، وكان يتردد مع والده على مجالس علماء الأزهر، فأحب القراءة وتعلم نظم الشعر، وأقبل على تثقيف نفسه ثقافة واسعة.

تخرج «العقاد» من المدرسة الابتدائية سنة 1903، إلا أنه لم يكمل تعليمه بعدها، إذ عمل بمصنع للحرير في مدينة دمياط، لكنه في الوقت نفسه كان مولعاً بالقراءة في مختلف المجالات، وقد أنفق معظم نقوده على شراء الكتب.

عباس محمود العقاد

عمل بعد ذلك موظفاً حكومياً بمدينة قنا والزقازيق ثم انتقل إلى القاهرة ليستقر فيها نهائياً. فاشترك مع محمد فريد وجدي في إصدار صحيفة الدستور عام 1907، ثم انتقل للعمل في جريدة المؤيد عام 1912، ثم الأهرام عام 1919.

لم يتوقف إنتاجه الأدبي رغم ما مر به من ظروف قاسية، إذ كان يكتب المقالات ويرسلها إلى مجلة «فصول» كما كان يترجم لها بعض الموضوعات. أما أعماله الأدبية فهي كثيرة ويصعب حصرها، إلا أنه بدأ انتاجه الشعري قبل الحرب العالمية الأولى، وظهرت الطبعة الأولى من ديوانه سنة 1916، ثم توالت بعد ذلك مجموعاته الشعرية.

وقد أسس «العقاد» بالتعاون مع إبراهيم المازني، وعبدالرحمن شكري مدرسة الديوان، وكانت هذه المدرسة من أنصار التجديد في الشعر والخروج به عن شكله التقليدي العتيق.

عُني «العقاد» بابن الرومي، وكتب عنه كتاباً كبيراً، إلا أن من أشهر أعماله سلسلة العبقريات التي تناولت بالتفاصيل سير أعلام الإسلام مثل «عبقرية محمد»، و«عبقرية عمر»، و«عبقرية خالد». ومن مؤلفاته أيضاً «الفلسفة القرآنية»، و«الله»، و«إبيلس»، و«الإنسان في القرآن الكريم». وقد منحه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب غير أنه رفض تسلمها.

محمود سامي البارودي

البارودي

لم يخرج الشاعر محمود سامي البارودي من قائمة العظماء الذين لم يكملوا تعليمهم. ولد في 6 أكتوبر عام 1839 في حي باب الخلق لأبوين من أصل شركسي ينتميان إلى السلاطين المماليك الذين حكموا مصر قروناً من الزمان، وكان أجداداه ملتزمي إقطاعية إيتاي البارود بمحافظة البحيرة.

أتم دراسته عام 1851 ثم التحق بالمرحلة التجهيزية من المدرسة الحربية المفروزة، وانتظم فيها يدرس فنون الحرب، وعلوم اللغة والحساب والجبر، وتخرج فيها عام 1855، ولم يستطع استكمال دراسته العليا، والتحق بالجيش العثماني.

عمل بعد ذلك بوزارة الخارحية وذهب إلى الآستانة عام 1857 وأعانته إجادته للغة التركية ومعرفته اللغة الفارسية على الالتحاق بقلم كتابة السر بنظارة الخارجية التركية، وظل هناك نحو سبع سنوات، ثم عاد إلى مصر في فبراير 1863 وعينه الخديو إسماعيل معيناً لأحمد خيري باشا على المكاتبات بين مصر والآستانة.

ضاق «البارودي» برتابة العمل الديواني ونزعت نفسه إلى تحقيق آماله في حياة الفروسية والجهاد، فنجح في يوليو عام 1863 في الانتقال إلى الجيش حيث عمل برتية البكباشي العسكرية وألحق بآلاي الحرس الخديوي، وعُين قائداً لكتيبتبن من فرسانه، وأثبت كفاءة في عمله.

تجلت مواهبه الشعرية في سن مبكرة بعد أن استوعب التراث العربي، وقرأ روائع الشعر العربي والفارسي والتركي، فكان ذلك من عوامل تجديد اللغة في شعره الأصيل حت لُقب بفارس السيف والقلم.

كان أحد أبطال الثورة العرابية، مع أحمد عرابي عام 1881 ضد الخديو توفيق، ثم أسندت إليه رئاسة الوزارة الوطنية من فبراير حتى مايو 1882.

بعد سلسلة من أعمال الكفاح والنضال ضد فساد الحكم وضد الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882، قررت السلطات الحاكمة نفيه مع زعماء الثورة إلى جزيرة سرنديب (سريلانكا حالياً) وظل هناك 17 عاماً يعاني الوحدة والمرض والغربة عن وطنه وسجل كل ذلك في شعره.

مصطفى الرافعي

وبسبب المرض لم يتمكن مصطفى الرافعي من استكمال تعليمه. ولد «الرافعي» في يناير 1880 في بهتيم إحدى قرى محافظة القليوبية، لأبوين سورييّن، حيث يتصل نسب أسرة والده بعمر بن عبدالله بن عمر بن الخطب.

كان والد «مصطفى» يهيئه لحياة علمية مثمرة، فألحقه بالمدارس الابتدائية حتى نال شهادتها، لكنه لم ينجح في استكمال تعليمه الثانوي، بسبب حمى أصابته وتركت صمماً في إحدى أذنيه، ولم يجد العلاج في شفائها، ثم انتقل الصمم إلى الأذن الأخرى، وفي سن الثلاثين أصبح «الرفاعي» في عزلة تامة عن عالم الأصوات.

الرافعي

انصرف «الرافعي» إلى مكتبة أبيه العامرة بكتب التراث العربي ينهل منها، ويقضي معظم وقته في القراءة والدرس، وقد أتاح له ذلك أن يقف على عيون الأدب العربي ونماذجه الرفيعة، وعلى تاريخ الأمة.

بدأ حياته الأدبية شاعراً، وكان ينشر شعره في المجلات ذات الصيت في ذلك الوقت كـ«الضياء» و«البيان» و«المقتطف» و«الهلال» وعندما بلغ الثالثة والعشرين من عمره أصدر ديوانه الأول ولقى استحساناً وتقديراً.

بعد ذلك انصرف إلى النثر وميدانه الرحيب الذي لا يعرف القوافي والأوزان، لكنه كان من وقت لآخر يعود إلى الشعر، حتى اُختير شاعراً للملك فؤاد بعد وفاة الشاعر الكبير عبدالحليم المصري.

إيليا أبو ماضي

إيليا أبو ماضي

هو شاعر وصحفي لبناني من أشهر أدباء المهجر. ولد في قرية المحيدثة بلبنان عام 1889، وبسبب فقر أسرته لم ينل من التعليم سوى بعض الدروس البسيطة، وعندما اشتد به الفقر رحل إلى مصر في الحادية عشر من عمره طلباً للرزق فعمل مع خاله في التجارة.

لم يمنعه ذلك من تخصيص بعد أوقاته للمطالعة ونظم الشعر، وقبل أن يبلغ العشرين من عمره أصدر ديوانه الأول «تذكار الماضي».

هاجر إلى أمريكا، واشتغل بالتجارة ربع سنوت مع أخيه الأديب مراد أبي ماضي، ثم اشتغل بالصحافة محرراً، وفي عام 1929 أنشأ مجلة «السمير» وكانت نصف شهرية حولها إلى جريدة يومية سنة 1936، واستمرت في الصدور حتى وفاته بالسكتة القلبية عام 1957 في نيويورك.



المصدر

كتاب «عظماء بلا مدارس». عبدالله صالح الجمعة.

0
0
0
0
0
0
0