«الدكتور» و«الباش مهندس» ألقاب ميّزها المجتمع عن غيرها، وأعطى لأصحابها مكانة خاصة، فأصبح البعض يدخل «كليات القمة» من أجل المكانة الاجتماعية، أو إرضاء للأهل الذين طالما حلموا بلقب الدكتور والمهندس على اعتبار أن تلك هي الوجاهة الاجتماعية المشرّفة.

بالطبع لا نستطيع العيش بدون طبيب يداوى المرضى، ومهندس يبني ويعمّر الأرض ويستصلحها، ولكن كل حلم مشروع من حق صاحبه بلوغه. «شبابيك» يعرض في هذا التقرير تجارب استطاع أصحابها كسر أسطورة لقب «كليات القمة» التي فرضت عليهم ونجحوا فيما يحبون.
«منار».. خلعت البالطو الأبيض وأصبحت خبيرة «الفري جلوتين» 

حصلت «منار» على مجموع 98% في الثانوية العامة، وكانت تعرف وجهتها كلية «طب أسنان»، بالرغم من محاولة والدها اقناعها بكلية طب بشري ولكنها صممت على رغبتها، فاستسلم قانعًا بالبالطو الأبيض الذي سترتدية ولقب الدكتورة الذي ستحصل عليه أبنة ناظر المدرسة. مرت سنوات الدراسة بتفوق وترتيب على مستوى الدفعة كل عام مما أهلها للمنافسة على العمل في الكلية ولكن كالعادة رجّحت الكفة أصحاب النفوذ والواسطة.

علمت أنه لا فائدة من الصراع على المنصب الذي تستحقه عن جدارة فهي الأولى على دفعتها ودائمًا في الترتيب. استلمت «منار» عملها الحكومي، وشرعت في التقديم على رسالة الماجيستر وظلت تبحث في الجامعات الخاصة على كرسي شاغر في مقاعد المدرسين، وبعد عامين من التخرج تزوجت وذهبت إلى عش الزوجة في الأسكندرية حيث يقطن زوجها وساعدها في الحصول عيادة صغيرة خاصة بها.


 

رزقت الطبيبة المجتهدة بمولودتها الأولى «كرمة» التي غيرت معالم الحياة وأضفت البهجة على حياتها، ولم تكن تعلم أن المرض سيقف حائلا بينها وبين السعادة التي ملأت حياتها بوجود الصغيرة التي اكتشفت إصابتها بمرض «السيليكا» (حساسية القمح) بعد رحلة طويلة خاضتها من تشخيص لآخر. تأكدت «منار» بالفعل من إصابة ابنتها بعدد من حساسيات الطعام وليست «السيليكا» فقط.

و «السيليكا» هو مرض ذاتي المناعة أي أن الجسم يقوم بإنتاج مواد تقوم بمهاجمة عضو أو نسيج معين في الجسم وتدمره، وهو تفاعل تحسسي ينشأ بسبب حساسية لبروتين الجلوتين الموجود في القمح ومشتقاته، هكذا قالت «منار» موضحة أنها بدأت تلاحظ تحسس جسم الصغيرة ونقصان في الوزن وشحوب في الوجه والقيئ المستمر الذي كان ملازما لها منذ الولادة وأخبرها الطبيب حينها أنها مصابة بإرتجاع المريئ ومع تقدم العمر سينتهي تدريجيًا.

قائمة طويلة من الممنوعات أخبرها بها الطبيب وطلب منها الإلتزام بمأكولات معينة، في بداية الأمر لم تجد «منار» صعوبة في الأمر والتزمت بكلام الطبيب وقامت بإجراء تحاليل شهرية لصغيرتها وتلاحظ صحتها باستمرار، بعد حوالي عامين قررت طبيبة الأسنان العودة إلى مرضاها، وألحقت «كرمة» بحضانة قريبة من مقر عملها. تقول «المشكلة أن السيليكا ملهاش علاج بس بنتعايش معاها ونأكل أكل معين لأن أي لخبطة فيها خطر».


 

بعد أيام قليلة من التحاق الصغيرة بالحضانة، بدأت الأعراض في الظهور مرة أخرى، بالرغم أنها اتفقت مع مدرسينها على النظام العذائي المخصوص. تقول «منار»: «المشكلة أن البنت ممنوعة من الحلويات لأن داخل في تركيبها مواد كتير هي بتتحسس منها زي اللبن والقمح والبيض»، وأوضحت أنه من الصعب حرمان الطفل من تناول الحلوى وخاصة في السنين الأولى التي لا يعي فيها الطفل أنه مريض.

استعادت «منار» حبها للطبخ وبدأت تبحث عن وصفات حلوى يمكنها أن تقدمها لصغيرتها دون أن تعرّض حياتها للخطر. ومن وصفة لآخرى أصبحت «منار» بارعة في إعداد تلك الأصناف، وذات مرة عرضت صورة لكعكة ميلاد «كرمة» في أحد الجروبات المتخصصة لمرضى السيليكا، ولاقت إعجابا شديدا مما جعلها تفكر في فتح مطعم خاص تقدم فيه حلوى ومخبوزات خالية من الجلوتين.

أصبحت «منار» صديقة مقربة لكثير من الأطفال المحرومين من الحلوى، فقررت أن تخلع البالطو الأبيض للأبد بعد أن أخذ مطعمها الصغير كل وقتها وطاقتها، وهي بصدد افتتاح فرع آخر لمطعمها في القاهرة لرسم البهجة على وجوه أطفال آخرين.

أحمد طارق.. صاحب خط إنتاج و«جاليري قاف»

اجتاز أحمد طارق الثانوية بتفوق، والتحق بكلية الهندسة التي طالما سعى إليها. تنفس أبواه الصعداء بعد أن اطمئنا على مستقبل نجلهم. شهور قليلة وشعر أنه في مجتمع بعيد عنه، لكنه طرد تلك الأفكار من مخيلته وحاول جاهدًا أن يعود إلى صفوفه ولكنه مجددا لم ينخرط فيها، ثم بدأ يبحث عن نفسه وأهوائه بعيدًا عن شبح الثانوية التي وقع تحت بوتقته دون تفكير، من مشروع لآخر حتى استطاع افتتاح خط انتاج ملابس خاص به.

اشترك مع أصدقاء له في كافيه وجاليري لبيع التيشرتات والاكسسورات يدوية الصنع، ولكن بسبب الظروف الأمنية التي كانت تمر بها البلاد لم يكتمل المشروع، لكنه لم ييأس وقرر إنشاء «جاليري» خاص به يبيع فيه منتجات من انتاجه وتصنيعه.

استطاع «أحمد» الحصول على المكان المناسب له ودشن «جاليري قاف». يقول إن «قاف يعني قوم، مش شرط سياسة بس قاوم أي حاجة تقف قدامك» هكذا قاوم رغبة أهلة في لقب البشمهندس وشرع يرسم لنفسه حلم ويحقق نجاحا في مجال جديد بعيدًا عن مجال دراسته.


 

«المهندس بائع الحظاظات»، هكذا كانت تقول له والدته ولكنه لم يعبأ للحديث ولم يحاول أن يشرح لها هدفه وخطته وما يسعى للوصول له. خط انتاج ضخم وجاليري في القاهرة وآخر بالأسكندرية هذا ما أنتجه أحمد طارق المهندس بقسم الميكنيكا بكلية الهندسة جامعة حلون بصحبة عدد من الأصدقاء أصحاب كليات القمة، الذين قرروا التخلي عن الألقاب في مقابل تحقيق هدف والنجاح في رسم المستقبل الذي يشبههم، فرسموا أحلامهم على الأقمشة واختاروا تصميماتهم من واقعهم، وتحمل عبارات من أغانيهم ورواياتهم المفضلة.

«لما تحب حاجة أكيد هتبدع فيها» قالها «أحمد» موضحًا أنه كان مخاطئًا في البداية عندما كان لا يطلع أبويه على خططه وأحلامه ونظرته للمستقبل. بعد أن وصل «أحمد» للفرقة الثالثة قرر أن يقف عند تلك المحطة لفترة، وأخبرهما عن مشروعه الذي أصبح حقيقة على أرض الواقع وهو خط انتاج خاص به وأصدقاءه والكثير من الطلبات على المنتجات التي يقدمونها، فاستسلما بل فرحا بإصرار ابنهما على النجاح.






 



المصدر


 

0
1
0
1
0
0
0