تتبدل الحياة وتنطفئ في أعينهن، صغيرات قاصرات في ربيع العمر يقضي عليهن الأهل والمجتمع. في رداء أبيض تُزف إلى حياة مبهمة مصيرها محتوم من الألم، وتدفع ضريبة الجهل والتخاذل من عمرها، وصحتها، وأحلامها تهدر في عرف ساد من قديم الأزل ولا زال يطبق ليس في القرى والنجوع فقط.

زواج القاصرات جريمة كُتب في بشاعتها الكثير وجرّمها القانون، وقعت كثيرات من الفتيات ضحايا يعانين الألم، وبعضهن لازال يكافح في عتمة لا يعرفن كيف تزول.

لم تنته القصة إلى حد الجريمة التي يفعلها الأهل وكل من يشارك في تسهيل ذلك الزواج، بل تمتد إلى فتاة صغيرة تحتضن طفل مسؤولة عنه وهي لازالت تحتاج الرعاية والاهتمام، فيما تخرج آخرى تعاني وتصرخ من شدة الألم النفسي الذي لازال يؤرقها ولا يشعر بها أحد. زواج القاصرات جريمة مكتملة الأركان معالجتها لن تأتي بالتجريم فقط، بل بالبحث عن تلك الضحايا وتقديم يد العون لهن.

في هذا التقرير يعرض «شبابيك» جانب من حياة القاصرات، في ضوء قانون جديد يجرّم الزواج المبكر دون اعتبار لمن وقعن فريسة لذلك الإغتصاب المقنن ولازلن قيد الألم.

قانون جديد يجرم زواج القاصرات

أرسلت وزارة العدل مشروع قانون يجرّم الزواج المبكر، إلى مجلس الوزراء للموافقة عليه ومراجعته دستوريًا وقانونيًا تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب للموافقة عليه.

هذا القانون يجرّم زواج من هن أقل من سن الـ ١٨ عاما، باعتباره أحد جرائم العنف ضد المرأة، وتغليظ العقوبة إلى السجن لأكثر من ٧ سنوات والغرامة، وذلك لكل من اشترك فى الجريمة سواء المأذون، أو أحد أقارب الضحية، أو أقارب الزوج، وكذلك أئمة المساجد الذين يقومون بتزويج الفتيات القاصرات.

مشروع القانون الجديد يعتبر كل من لم تبلغ سن الـ ١٨عام قاصرة، وبالتالي ستوقع عقوبة علي كل من يتورط في ارتكاب الجريمة، كذلك سيتضمن القانون تطوير عقود الزواج والطلاق، واتخاذ بعض الإجراءات اللازمة بشأن عدم التلاعب أو التزوير، من خلال إعداد نموذج لوثيقة زواج مؤمنة عن طريق وضع علامة مائية على الوثيقة، كما يتضمن اعتماد بطاقة الرقم القومي لمعرفة سن الزوجين عند الزواج، كشرط أساسي لتحرير عقد الزواج، دون الاعتماد على أي شهادة طبية لتحديد السن، المعروفة بشهادة التسنين.

يذكر أن نتائج المسح الصحي السكاني الأخير، كشف عن أن نسبة 14.6٪ من الفتيات المتزوجات في مصر يتزوجن في سن ١٥ الي ١٩سنة.

«رحمة».. تنتظر السن القانوني

في قرية «أشمون» التابعة لمحافظة المنوفية استكملت «رحمة» تعليمها إلى المرحلة الإعدادية، وكانت المدرسة هي شغلها الشاغل وتفوقها الدراسي جعلها تحلم بدخول كلية الطب، لكن لا تجري الحياة بما تشتهي السفن، وانقلبت الأحلام إلى واقع مرير عاشته عندما فرض عليها أبوها الزواج من ابن عمومته الذي يعمل بالخليج وعاد بالغنائم ليتزوج ويستقر.

في البداية رفضت «رحمة» الخنوع لتهديد والدها وترغيب أمها بالحياة الكريمة الناعمة في أموال الرجل الذي يكبرها بـ15 عامًا ولم يسبق أن رأته قط في حياتها ولكنها دائمًا ما تسمع الأخبار المتداولة عنه.

بعد حوالي شهرين تمت الزيجة بعقد عرفي، وقتها لم تعرف الفرق بين العرفي والرسمي، ولم ترَ مشكلة من زواجها في ذلك العمر لأنها سبق وأن رأت الكثير من زميلاتها يتركن المدرسة ويدخلن عش الزوجية السعيد بالنسبة لهن، وخاصة بعدما وعدها العريس بأن تستكمل دراستها في قاهرة المعز، فبدأت تتراءى لها فكرة ترك قريتها والنزوح إلى حياة جديدة مليئة بالرفاهية، فوافقت الصغيرة وزُفت في فرح تحاكت عنه فتيات البلدة.

من أول ليلة في عش «رحمة» رأت الواقع بعيدًا عن الملابس الجديدة، والشبكة القيمة، وأدوات التجميل التي زيّنت وجهها، ضرب وإهانة دون سبب واضح، وتعنيف، وحرمان من الطعام. في أول زيارة لأهلها حكت لأمها على ما يفعله بها ذلك الغريب، والتي «قالتلي عادي الرجالة كلهم كده وبكرة تتعودي.. الست ملهاش إلا جوزها». وقعت تلك الكلمات كالصاعقة على مسامعها بعد أن تخلّت عنها والدتها، وراحت تنشر الزغاريد في الأرجاء فرحًا بإتمام الزواج والنعيم الذي تحيا فيه ابنتها.

عام مرّ على الصغيرة كالدهر؛ ضرب، وإهانة، وتنكيل، وحبس في المنزل دون سبب واضح، ضريبة باهظة تدفع ثمنها وحيدة. «فكرت في الانتحار»، هكذا قالت «رحمة»، مستطردة: «افتكرت كلام أبلة الدين وافتكرت إني لا هطول دنيا ولا أخرة». لم تجد الصغير مفرا سوى الهرب من المنزل بعد أن ينزل زوجها، فأعدت حقيبة صغيرة بها ملابسها وشبكتها، ونزلت تبحث عن أي متجر لتبيع تلك الأساور الثمينة، ولكنها فوجئت بصاحب المتجر يخبرها بأن الشبكة من الذهب الصيني الذي يباع على الأرصفة، فانهارت في البكاء، فساعدها الرجل بعد أن روت له قصتها وأعطاها مبلغ من المال وقام بتوصيلها إلى موقف السيارات حتى تعود لأهلها.

بيد مكسورة، ووجه شاحب تغطية كدمات باللون بالأزرق عادت إلى أهلها، فاستقبلها أبوها بالضرب هو الآخر وأخذها من يدها إلى سجن زوجها مرة أخرى، غير مكترث بما حدث لها ولا بتوسلاتها ودموع أمها، فعادت إلى تلك الحياة.. يوم والأخر ولازالت تصبح وتمسي وهي تزرف الدموع. أصابها الإعياء ونقلت إلى المستشفى بعد أن امتنعت عن الطعام، وقتها قرر التخلص منها وطلّقها، ونزل إلى بلدته ليبحث عن أخرى يتزوجها، وعادت هي إلى بيت أبيها تنتظر السن القانوني ليستخرج لها شهادة زواج وطلاق رسمية.

«حنين».. الطفلة المطلقة

كالبدر ليلة التمام، شديدة البهاء، قوامها ممشوق، وذات عيون عسلية، وندبة صغيرة تزين وجنتيها وتزيدها بهاء، «حنين» صاحبة الأربعة عشر عاما ابنة «عم جمعة» حارس عقار في الجيزة، لم تخلص من كلمات الإعجاب والغزل التي تسمعها ذهابًا وإيابًا، وكانت تخدم بمنازل العقار الذي يعمل فيه والدها لتساعده في جلب الأموال، ولكن مع ارتفاع الأسعار وكثرة الأبناء الذين وصل عددهم لسبعة وافق على أول عرض زواج لابنته، حتى تخف عنه العبء ويرتاح باله بسترها خاصة وأن «عليها العين».

سافرت «حنين» إلى المنصورة حيث مقر عمل زوجها الذي يعمل مهندسا وسبق له الزواج ولكن لم يرزق بأطفال، في البداية عاملها بلطف ودلال وبعد أيام قليلة عرفت إصابته بالعجز، ولم تلق بالًا ولم تهتم سوى ببيتها وزوجها، فتعد الطعام وتنظف المنزل، فقد اعتادت منذ نعومة أظافرها على الشقاء. شهور قليلة وحلّت والدة زوجها ضيفة ثقيلة على منزلها الصغير، وكانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها زوجة ابنها الجميلة التي طالما يتحدث عنها.

بدأت أم زوجها تسألها عن عدم حملها طول تلك المدة الطويلة فتجيب بأن النصيب لم يحين موعده بعد، «بس هي كانت شايفة إني قليلة على ابنها»، قالتها «حنين» مشيرة إلى أن حماتها دائمًا ما كانت توبخها وتسبها بوالدها الذي يعمل حارس عقار، وأنها غير متعلمة وابنها صاحب الشهادات العليا، وتهددها بالطلاق إذا لم تحمل في الشهر التالي، وابنها المهندس لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، مهما حدث بينهم من شجار وتطاولت فيه والدته على عروسته بالسب وأحيانًا بالضرب.

كدّرت تلك المرأة صفو الحياة التي عاشتها الصغيرة لقرابة ثلاثة أشهر حيث يعاملها زوجها معاملة حسنة. تقول: «نزل من نظري لما مكنش بيدافع عني»، ولم يستطع أن يخبر والدته بأنه هو صاحب العلة وترك زوجته الصغيرة خادمة لأمة التي تسئ معاملتها وتتطاول عليها. 

ذات ليلة تشاجرت معها بسبب حرقها للطعام دون قصد وصفعتها على وجهها فلم تقدر الصغيرة على تحمل الإهانة وصرخت في وجهها، فأجبرت ابنها أن يطلقها على تزوجه من أخرى تنجب له، واستسلم الزوج لوالدته، وباتت «حنين» طفلة مطلقة تخدم في منازل العقار الذي يعمل فيه والدها بعد أن ذهبت نضارة وجهها الصبوح، واختفت بسمتها.

التأهيل النفسي

في غفلة من الدولة عن تقديم العون لضحايا الزواج المبكر، يتحدث أحمد عماد الاخصائي النفسي عن أهمية إعادة التأهيل للفتيات عقب تلك الجريمة التي يقعن ضحايا لها، ويشير إلى أن التجريم والقانون مطلوب من أجل القصاص من حق الكثيرات، وليكون رادعا لمن يفكر في المشاركة في تلك الجريمة التي تقضي على المجتمع وتشوهه بما لها عواقب وخيمة، ولكن العقوبة وحدها غير كافية لحل تلك الأزمة، فالأكثر أهمية هو إعادة تأهيل الضحايا.

يقول «عماد» إن التوعية بأهمية العلاج النفسي تأتي في المقدمة مشيرًا إلى أن ثقافة العلاج النفسي لازلت تشكل مخاوف لدى الكثير وخاصة تلك الفئة التي قامت من البداية بتزويج بناتها في تلك السن الصغيرة لأي سبب من الأسباب، فما بعد الصدمة له توابع عدة منها من يظهر في الحال ومنها ما يظل في المكنون ويؤثر على الشخصية ويصبح كالقنبلة تنفجر في أي لحظة أو تظل خاملة المفعول تخرّب النفسية وتدمرها وتؤثر على أنماط السلوك.

تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا في عدم وصول الضحايا إلى طور العلاج النفسي، لذلك يرى الاخصائي النفسي أن الدعم يمكن أن يأتي من الدوائر المحيطة بالضحية عن طريق تمرير الأفكار الايجابية لعقول تلك الفتيات ومساعدتهن لإيجاد سبل للمشاركة في أي أنشطة أو العمل فتلك التجارب يمكنها أن تخفف من وطأة الألم، كما يعتبر مشاركة التجارب أحد أبرز طرق العلاج البسيطة وتقوم فكرتها في الأساس على مشاركة الفتيات تجاربهن حتى تعرف كلًا منهن أنها ليست الوحيدة التي مرت بتجربة مشابهة فيدفعها ذلك للحديث عن المكنون بداخلها ويخفف من حدة الألم الذي تشعر به، ويشير إلى أن هناك بعض الحالات تستلزم تدخل الطبيب والعلاج دوائي، وليس الأخصائي النفسي فقط، وأن الاخصائي هو من يقوم بتحديد إذا كانت الحالة تستدعي الدواء أم لا.



المصدر


 

0
0
0
0
0
2
0