قصة ممتدة عبر التاريخ الحديث تقف وراء نشأة الرقابة على المصنفات الفنية في مصر، ارتبطت بنشأة المسرح وموضوعاته التي تطرقت لقضايا المصريين ومشاكلهم، واصطدمت بالسلطة التي سعت بكل ما أوتيت للسيطرة على الحياة الفنية. القصة كاملة روتها أمل عريان فؤاد في كتاب «سلطة السينما.. سلطة الرقابة».

الباشا وآداب التمثيل

لم تكن مصر حتى عام 1895 تعرف شيئاً على الإطلاق عن فن السينما، إلا أنها عرفت مبكراً جداً فن المسرح والتمثيل. ومن الطبيعي وجود قواعد لتنظيم تلك العروض، حتى لا تخرج عن إطار المصلحة العامة.

لكن تلك القواعد المنظمة لم تُعرف في مصر حتى عهد محمد علي باشا. كانت هناك فرق مسرحية تقدم أعمالها أمام الجمهور بشكل عادي، إلى أن حدث في أحد العروض أن اشتبك الجمهور مع الممثلين، وتكررت مثل هذه الحوادث، ما دفع محمد علي باشا للبحث عن حل لتلك الاشتباكات فأمر بتوجيه خطاب دوري إلى القنصليات الأجنبية وفرق التمثيل لتنظيم العلاقة بين الفنانين والجمهور.

وكان أهم ما جاء في المنشور هو تحديده لآداب الأداء التمثيلي، فوضّح في بنوده أنه لا يجوز للمتفرجين أن يسبوا الممثلين، وفي حالة خروج المتفرج عن آداب الحضور أكثر من مرة يُحرم من دخل التياترات.

وكان لا بد من سلطة لتراقب تلك التعليمات، حتى صار هناك وجود غير مباشر لها داخل العملية الفنية تمثلت في نوعين من رجال الأمن: الأول من رجال البوليس والآخر من رجال المطافئ. ولم يتدخل رجال البوليس لمراقبة نص أو فكرة العرض المسرحي، وإنما كان التدخل لمراقبة السلوك.

محمد على باشا

وفي عهد إسماعيل باشا تزايدت الفرق المسرحية والعروض المقدمة، وتفاعلت العروض مع هموم المجتمع والظروف السياسية آنذاك، لذا كانت من المنطقي أن تحدث اشتباكات ومناوشات مع السلطة.

الثورة العرابية

صدرت لائحة التياترات بتايخ 18 يوليو 1911 لتنص على تخصيص مكان مناسب في المسرح لضباط البوليس المنوط بهم المراقبة وقت التمثيل

ثم جاءت فترة ازدهار المسرح متزامنة مع التمهيد للحركة العرابية والمطالبة بالحكم النيابي وبتمصير كل ما هو أجنبي، وتبنى المسرح هذين المطلبين، ومن ثم تحولت السلطة من مجرد حارس لللنظام إلى سلطة تملك بيدها حق المنع والمصادرة مع إخبار المبدع أو المنتج بضرورة عرض المصنف الأدبي أو الفني عليها قبل طرحه للجمهور. من هنا مارست السلطة دورها الرقابي بشكل حاد فصادرت بعض المسرحيات والصحف، وألغت المسارح مثل مسرح يعقوب صنوع.

ومع فشل الثوة العرابية والاحتلال الإنجليزي لمصر، كان لا بد من أن تحكم السلطة قبضتها على الصحف والمسارح، لتقضي على الاندفاع الثوري فيها. وهنا صدرت أول لائحة نظمت العلاقة بين الصحف والمجتمع والدولة وذلك في إطار سياسة اللورد كرومر.

عُدلت هذه اللائحة في عام 1904 لتضاف إليها الرقابة على الأفلام والعروض السينمائية. أما المسرح أنذاك فلم يكن يخضع لقانون، بل لرقابة مأمور البوليس مباشرة حتى عام 1911 إلى أن صدرت لائحة التياترات بتايخ 18 يوليو 1911 لتنص على تخصيص مكان مناسب في المسرح لضباط البوليس المنوط بهم المراقبة وقت التمثيل. ولم تأت لائحة التياترات هكذا بن ليلة وضحاها بل سبقتها العديد من الأحداث والمناوشات التي حدثت بين المبدعين والسلطة.

أحكمت السلطة قبضتها على المسرح بعد أن بدأ يلعب دوراً في التعبير عن قضايا المجتمع، فأطاحت بمسرحيتي «عرابي باشا»، و«حمام دنشواي» بعد أن وصل إليها أن العملين يحرضان على الثورة ضد الاستعمار.

بعد تكرار حالات المنع أصبح من غير المجدي منع العمل بعد عرضه، لما يسببه من ردود أفعال ومشاعر رفض وثورة، فقررت الحكومة استدعاء أصحاب التياترات ومديري الأجواق (الفرق الغنائية) للتنبيه عليهم بأنه لم يعد مرخصاً لهم تمثيل أي رواية، إلا بعد الحصول على ترخيص من المحافظة.

اقرأ المزيد

السينما بعد نكسة 67.. هامش من الحرية بأمر الزعيم (فيديو)

اتخذت السينما منحى آخر بعد هزيمة 1967، فاتجهت لنقد الزعيم ومؤسسات الدولة وألقت عليها مسئولية الهزيمة.

البوليس السري


 

في 30 يونيو 1910 نشرت جريدة اللواء أن إدارة البوليس السري أوجبت على مأموري الأقسام الموكلين بمراقبة المسارح العربية أن يصطحب كل واحد منهم 20 شرطياً يقيمون بين الناس أمام التمثيل، وكان الجمهور يستاء من هذه المراقبة العلنية التي لا معنى لها، لذا استشعرت إدارة البوليس تلك المشاعر فأمرت أن يصحب المأمور خمسة من الشرطة فقط وأن يتجنبوا الظهور أمام الجمهور.

وفي ديسمبر من نفس العام تطورت الأمور لتأخذا بعداً آخر. أنشأت الحكومة قسماً بمحافظة العاصمة يطلق عليه «الآداب» مهمته مراقبة التمثيل والخطابة بحيث يوظف فيه ثلاثة من الكتب والأدباء، باعتبار أن رجال البوليس ليس باستطاعتهم الوقوف على سر الجمل ومعانيها وما ترمي إليه.

في تلك الأجواء صدرت لائحة التياترات ونصت صراحة على تخصيص مكان مناسب في المسرح لضباط البوليس المنوط بهم المراقبة وقت التمثيل. وعرفت السلطة أيضاً كيفية التدخل في العروض المسرحية مبكراً، وكذلك فعلت مع الفن السينمائي وهو لا يزال في طورالميلاد، فتدخلت لمنع فيلم «محمد رسول الله» في الوقت الذي كانت تخطو فيه السينما الخطوات الأولى كسينما صامتة.

السينما الناطقة

ظلت قوانين الرقابة التي صدرت منذ 1904 و1911 سارية حتى عام 1954، ولكن ما صدر في تلك الفترة جاء في شكل تعليمات عام 1947.

ومع بدايات السينما الناطقة وقفت السلطة بالمرصاد، لتعصف بأول إنتاج مصري لفيلم ناطق هو «أولاد الذوات» من إخراج محمد كريم، وإنتاج وتمثيل يوسف وهبي، رغم أنه كان فيلماً عاطفياً ولا يتطرق إلى الجانب الديني مثل «محمد رسول الله»، ولم يكن به ما يمس السلطة بشكل مباشر، ولكن مُنع بسبب شكوى من الجاليات الأوروبية في مصر لأن العمل يتعرض لأسلوب حياة فتاة أوروبية مخادعة، ومن ثم اعتبر على أنه دعاية لكراهية المصريين للمرأة الأوربية.

وفي محاولة من وزارة الداخلية لامتصاص غضب الجمهور بسبب قرار المنع شكلت لجنة لإعادة مشاهدة الفيلم، ورفعت تقريراً إلى سفارة إنجلترا وفرنسا جاء فيه أنه لا يوجد ما يستحق الاعتراض ولا ما يمس المرأة الأوروبية، وإنما الفيلم يتحدث عن بعض التصرفات الشخصية التي قد تقع من أية امرأة في أي بلد في العالم. وبناء على ذلك أعيد عرض الفيلم ولاقى إقبالاً كبيراً من الجماهير.

ظلت قوانين الرقابة التي صدرت منذ 1904 و1911 سارية حتى عام 1954، ولكن ما صدر في تلك الفترة جاء في شكل تعليمات عام 1947. ولعبت الظروف الساسية دوراً رئيسياً في صدورها خصوصاً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومحاولة بريطانيا لإحكام قبضتها على البلاد من كل الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية بعد أن تنبه القائمون على الحقل السينمائي لأهمية دورهم في مواجهة المستعمر وتخليص البلاد من قبضته.



المصدر

كتاب «سلطة السينما.. سلطة الرقابة».أمل فؤاد عريان.

0
0
0
0
0
0
0