بعد أحداث 30 يونيو وما تبعها من انقسامات واختلاف في الآراء، نشبت المشادات بين الأهل والأصحاب والجيران إلى حد القطيعة، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، فهناك من اضطر إلى الرحيل عن سكنه، بل ومنطقته التي شهدت نشأته بسبب الاختلاف في الرأي أو قربه من الصراع الذي قد يعرّضه للخطر.

تحل الذكريات كضيف ثقيل بخاطر الفارين من الماضي، فمن بوسعه ترك مكانه الذي تربى فيه وشب على رائحته، وتجول في الطرقات وفي الساحة القريبة شهد صلاة العيد وفي ذلك المقهي لعب الطاولة، وعاصرت الشرفات ثرثرته مع ابن الجيران، ومشاجرته مع أخيه.

حكايات وتفاصيل تخلد وتؤثر في تكوين من رحل عن مكان إقامته رغمًا عنه، نتيجة الصراع السياسي الطاحن، من بين هذه الحكايات نروي تفاصيل الفراق.

عزال مؤقت

فوق أحد محال الحلوى الشهيرة في بناية ضخمة تطل على ميدان رابعة العدوية، أحد أرقى أحياء القاهرة، يعيش «أسعد» برفقة أسرته الصغيرة المكونة من زوجته و3 زهرات يعطرن حياته، ولم يخطر بباله أن تتحول تلك الأيام الهادئة إلى ذعر بين يوم وليلة، يتبدل الحال منذ إعلان جماعة الإخوان المسلمين ومؤيدي الرئيس الأسبق محمد مرسي اعتصامهم بميدان رابعة العدوية اعتراضًا على الدعوات بعزل «مرسي».

تجمعات كبيرة اجتاحت كل الأماكن حول ميدان رابعة، ولافتات في كل مكان، وهتافات ومكبرات صوت كاد أن يكسر صداها الزجاج بحسب حديث «أسعد» الذي كان يتابع المشهد في ذهول. كثيرًا ما شاهد «أسعد» عبر شاشة التلفاز المظاهرات في ميدان التحرير والميادين الكبرى، ولكن لم يعش تلك التفاصيل، قالواقع دائما ما يشكل التفاصيل وينقل المشاعر الحقيقية، ثلاثة أيام قضاها في المنزل دون الذهاب إلى العمل.

بين حين وآخر كان «أسعد» ينزل من برجه العاجي، ويأخذ جولة سريعة في الميدان ويستمع بإنصات للحديث ويشاهد ما يدور حوله. «كل ساعة تقريبا أمي كانت بتكلمني تقولي هات البنات وتعالى»، قالها المهندس الثلاثيني، موضحًا أنه كان يرفض الرحيل عن منزله مستنكرا المشهد الجديد الذي حل بالمكان من تجمعات الخيام وجرف للنباتات، وبقايا الأطعمة المتناثرة.

يقول أٍعد إن المكان من الرقي والنظام إلى فوضى عارمة، لكنه لم ينزعج من الاعتراض والتعبير عن الرأي، ولكن المشهد العام بدا له غير متحضر.

لم يكن «أسعد» يتخيل تصاعد الأحداث إلى ذلك الحد، ولكن عندما اتجه الحديث حول تدخل الشرطة لفض الاعتصام بالقوة، وقتها قرر الانتقال إلى منزل والدته الكامن بحي المنيل. شنطة صغيرة بها ملابس تكفى لأسبوع على الأكثر حملها وأخذ عائلته وذهب. يقول: «كنت مستني القصة دي تخلص بسرعة.. بس من غير دم»، أسبوع فالثاني، فالثالت والوضع كما هو عليه بل المشهد يزداد احتدامًا.

في ليلة الفض عاد «أسعد» يحزم القليل من الأمتعة من شقته، يقول: «حسيت الدنيا مكهربة وقلبي اتقبض». بعد ساعات قليلة فاق على هاتف من أحد أصدقائه يخبره بالواقعة ويطمأن عليه. حالة من التوتر عاشها وهو يتابع ما يحدث، وكيف تحولت الشوارع التي طالما يسير بها لبرك من الدماء والجثث، بعد ثلاثة أشهر قضاهم «أسعد» عند والدته بعيدًا عن منزله الذي كان شاهدًا على الأحداث.

«مكنتش عايز أروح وفكرت كتير أبيع الشقة»، قالها موضحًا أن الموقع المتميز والقرب من مكان العمل ومدرسة بناته أمور منعته من أن يفارق عش الزوجية السعيد، واكتفى بتلك الشهور التي باعدت بينه وبين موطنه الصغير.

الهروب من زوار الفجر

مع انتصاف الليل وتحديدًا في الثالثة فجرًا، فاقت «هدير» والشرطة تداهم منزلها، وتبحث عن شيء مجهول، وذهبت القوات بعد أن أيقنت أنهم بالمنزل الخاطئ، وخلفوا ورائهم الركام من حطام الأثاث والأغراض. حالة من الذهول انتابت الأسرة المكونة من أب يعمل في التجارة وربة منزل وبنتين وصبي في المرحلة الابتدائية. لم تكن تلك هي المرة الأولي التي تشهد فيها الأسرة الخوف والتوتر الذي يحل عليهم لأيام طويلة كضيف ثقيل، يستشعرون فيها بصوت عقرب الساعة الذي ينبئ بالخطر.

المرة الأولى كانت عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة بحوالي شهر، وداهمت الشرطة المنزل وألحقت به الخراب. استجمعت «هدير» قوتها وقامت هي واختها بترتيب المنزل مرة أخرى بعد أن أصيبت والدتها بارتفاع ضغط الدم بسبب حالة التوتر التي عاشتها. 

تقول صاحبة الخمس وعشرين ربيعًا: «كنا بنسمع من ناس جيرانا هنا إن الموقف ده حصل معاهم بس مش متخيلة إننا هنعيشة»، مشيرة إلى أن منطقة كرداسة، حيث تقطن، بها الكثير من العائلات التي تنتمي لجماعة الاخوان المسلمين، وكثيرًا ما تتواجد الشرطة عقب الأحداث.

قبيل ذكرى فض الاعتصام الأولى كانت المرة الثانية التي تداهم فيها الشرطة المنزل، ووسط ذلك المشهد الكئيب الذي بقي عليه المنزل قرر رب الأسرة الانتقال إلى مكان آخر. «قالنا لمو هدومكو وهنمشي»، القرار عبء ولكن ما باليد حيلة، وبعد حوالي أسبوع استطاع استئجار شقة بحدائق المعادي وانتقلت الأسرة بما تبقى من أثاث وأجهزة إلى السكن الجديد.

في بداية الأمر لم تشعر «هدير» بغربتها عن المنزل الجديد، وهجرها للمكان الذي ولدت وتربت به، ولكن بعد مرور فترة العزال وترتيب المنزل الجديد شعرت بالغربة خاصًة بعد أن مرضت والدتها ودخلت المستشفى في وعكة صحية. «كلنا اكتئبنا وعيشنا أيام صعبة كتير»، قالتها مشيرة إلى أن والدتها ولدت وعاشت وتزوجت هناك وقليلًا ما كانت تخرج بعيدا عن تلك الدائرة المحيطة بها، فهي قليلة الخروج من المنزل، وأصرت أن يكون بيت الزوجية بجانب والدتها.

ثمن باهظ

في الثانية صباحًا قوات الأمن تكسر باب المنزل وتأخذ «عبد الرحمن» ابن الخامسة عشر عاما دون الافصاح عن أي شيء، كان ذلك أسوأ يوم مر على أخيه «محمود». عامان على ذلك الحدث المرير الذي لازالت الأسرة تعيش تبعاته حتى بعد فك أسر ابنهم الأصغر الذي كان يشارك في التظاهرات بعد مقتل صديق عمره في أحدث فض اعتصام رابعة العدوية، دائما ما كان ينصحه أخوه الأكبر بعدم المشاركة لأن الوضع غير مستقر.

لم يستمع «عبد الرحمن» لحديث أخيه، وحرّكته عواطفه المفطورة على فراق صديقة، وحدث بالفعل السيناريو الذي توقعه «محمود» وتم إلقاء القبض على أخيه، وكلفهم ذلك الحدث سنة ضاعت من عمر هذا الصبي، وتعنت ملحوظ تجاه الأسرة كلها من قبل الجيران اللذين أعلنوها صراحة أنهم لا يودون تلك الجيرة سيئة السمعة والتي تجلب قوات الأمن في منتصف الليل، ولا يودون الاختلاط مع من يعارضون النظام ويقفون في وجه خارطة الطريق.


لم يجد والد محمود مفرا غير الرحيل عن المسكن والانتقال إلى منزل آخر ومنطقة جديدة. «أمي نفسيتها تعبت جدًا. مش كفايا عليها حبس ابنها الصغير، الناس كمان مرحموهاش» قالها «محمود»، موضحًا أن فكرة الانتقال كانت شديدة الصعوبة على والده الذي يعمل محاسبا، ودخله لا يوفر له الايجار، وفي نفس الوقت هو يود الاحتفاظ بمنزل الزوجية في منطقة وادي حوف، منطقتهم المنعزلة عن العالم والتي تتمتع بالهدوء والنقاء بعيدًا عن الزحام.

«أنا لما بدخل وادي حوف بس بحس إني بتنفس»، قالها «محمود» بأسف، مستطردًا: الذكريات لا تقدر بثمن، ولكن كان لايمكن الاستمرار في نفس المكان بعد عدم تقبلنا والضغط على والدتي بذلك الشكل المهين، والانتقال إلى منزل الجد بالسيدة زينب كان الحل الوحيد أمام «محمود» وأسرته التي تدفع ثمنًا باهظًا دون أي ذنب، ولا حتى لصغيرها الذي اندفع صوب مشاعره.



0
0
0
0
0
0
0