في مناخ بارد، كعادة أيام فبراير، استيقظ جمهور كرة القدم في مصر على خبر هروب الحارس الدولي عصام الحضري إلى سويسرا، من أجل بدء رحلة احتراف في العام الرابع بعد الثلاثين بصفوف نادي مغمور يدعى «سيون».

لم تكن مرت أيام قليلة على تتويج المنتخب المصري ببطولة كأس الأمم الأفريقية 2008، للمرة الثانية على التوالي، بأقدام كتية المعلم حسن شحاتة، وكانت الجماهير الحمراء تحلم باستمرار فريق الأحلام، الذي أحكم سيطرته على الكرة الأفريقية لبضع سنوات في حصد البطولات.  

لكن عصام كان له رأي آخر. أدار ظهره للجماهير التي طالما هتفت له «ارقص يا حضري» لتدوي الهتافات المناهضة له أرجاء ستاد المحلة بعد أول مباراة للمارد الأحمر من هروبه في 21 فبراير.

مرت  10 سنوات على هذا المشهد، ولم تتوقف رحلته الكروية الطويلة عنده، لكنه ظل الخطأ الأكبر الذي يندم عليه حتى الآن وهو يخلع قفازه الدولي بعد 22 عاما من العمل مع الفريق الأول، وذلك رغم الإنجازات التي حققها مع المنتخب القومي والأندية العديدة التي دافع عن قميصها داخل وخارج الوطن.

هنا نستعرض رحلة السد العالي وخطاياه التي أثرت كثيرا على رصيده ومسيرته.

من دمياط إلى الأهلي

ابن كفر البطيخ، المولود في 15 يناير 1973، بدأ رحلته الكروية في نادي دمياط الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية، وساهم انضمامه للمنتخب الأوليمبي عام 1995 تحت قيادة فكري صالح في بزوغ اسمه ببورصة الحراس الصاعدين، حتى انضم إلى صفوف الأهلي في موسم 1996، ويمكث بين جدراته 12 عاما حتى موعد رحيله في ربيع 2008.

واجه السد العالي صعوبات شديدة في مشواره مع القلعة الحمراء، بدأ بتحدي أحمد شوبير، أيوب الكرة المصرية، وبدلائه الأقدم منه مثل مصطفى كمال، ثم سنوات العجاف التي لم يفز فيها الشياطين الحمر ببطولة الدوري.

حتى عام 2006، لم يكن الحضري الحارس الأساسي لمنتخب مصر في ظل وجود عبدالواحد السيد، وذلك رغم تألقه اللافت مع الأهلي في البطولات المحلية ودوري أبطال أفريقيا. إلى أن فتحت إصابة حارس الزمالك الطريق أمامه ليحرس عرين الفراعنة في بطولة أمام أفريقيا 2006 بالقاهرة. في أثناء ذلك، عاش عصام سنوات تألقه وبريقه الكروي تحت قيادة المعلم والخواجة البرتغالي مانويل جوزيه إلى أن جاء موعد الهروب إلى سويسرا.

الهروب إلى سويسرا

حينها دخل في صدام مع مجلس حسن حمدي لرغبته في خوض تجربة احتراف وتأمين مستقبله. تجاهل عصام السنوات الـ12 التي قضاها، آثرا البحث عن تجربة ظن أنها الأفضل، يقول عن قراره: «استمراري في الأهلي كان مستحيلا في هذا التوقيت، بعد وصول علاقتي بجوزيه إلى طريق مسدود، لم ألق التقدير منه في قمة أدائي أو في سقطاتي، وحتى بعد منحي لقب أفضل حارس في كأس الأمم الأفريقية، للمرة الثانية، لم يشاركني في فرحي. تركت تاريخي مع الأهلي خلف ظهري ورحلت إلى سيون».

سنوات الندم

لكن صاحب الـ45 عاما تغيرت قناعاته عن هذه المرحلة بعد 10 سنوات من حدوثها: «رحيلي من الأهلي في 2008 أكبر خطأ ارتكبته في حياتي كلها، لأنني أهلاوي منذ الصغر وتربطني علاقة قوية بالنادي وجماهيره، استمراري كان سيغير مسار حياتي للأفضل».

حقا يا عصام، استمرارك في الأهلي كان سيغير مسار حياتك إلى الأفضل، فكنت ستظل الحارس الأول لمصر دون الخروج في تجارب «كعب داير» على أندية مصر والسودان والسعودية. وهي أندية أفقدتك مكانك كحارس أساسي للفراعنة في 4 سنوات كاملة منذ حصولك على لقب أفضل حارس في إفريقيا 2010 حتى عودتك إليه مع كتيبة كوبر.

عودة السد العالي إلى مصر كانت من بوابة الإسماعيلي في موسم 2009/2010، لكن التجربة الأسوأ له كانت في الزمالك، الغريم التقليدي للشياطين الحمر، الذي دافع عن قمصانه 6 أشهر فقط.

يقول عن تجربته مع أبناء ميت عقبة: «أكثر الأندية التي ندمت للعب لها هو الزمالك، فقد تعرضت هناك لعديد من المهاترات والمشاكل التي كادت أن تؤثر على تاريخي»، موضحا أنه لقى معاملة سيئة من اللاعبين والفريق ككل كان مشتتا ومختلفا.

الحضري قال إنه اضطر للعب في أندية دون المستوى، لم يحدد اسمها، للحفاظ على مستواه، فانضم للاتحاد السكندري ووادي دجلة والمريح السوداني، ما يؤكد عبارته أن الهروب من الأهلي الندم الأكبر في حياته المهنية.

حلم الاعتزال في الأهلي

سألت الحضري سؤالا قبل عام ونصف العام حين كان يستعد للمشاركة مع الفراعنة في كأس الأمم الأفريقية بالجابون، عن أحلامه في الأمتار الأخيرة من تجربته مع كرة القدم، فرد سريعا: «الاعتزال في الأهلي وحمل شارة قيادة  المنتخب في كأس العالم».

الآن وبعد 22 عاما و159 مبارة دولية بقميص المنتخب، حقق فيها لقب بطل بطولة أمم أفريقيا ٤ مرات في أعوام ١٩٩٨ و٢٠٠٦ و٢٠٠٨ و٢٠١٠ ومركز الوصيف في بطولة ٢٠١٧، وحصل على لقب أفضل حارس في البطولة الأفريقية خلال ٤ نسخ، يعلق قفازه الذهبي بعدما أصبح أكبر لاعب يشارك في تاريخ نهائيات كأس العالم، لتبقي الأمنية الثانية الخاصة بالعودة للشياطين الحمر عالقة خصوصا إنه لم يخلع قفازه بشكل نهائي، ومازال يمارس اللعبة بين صفوف الدراويش.

يعلم الحضري بصعوبة العودة إلى الأهلي في سن الـ45، وفي ظل امتلاك القلعة الحمراء حارسين أساسيين بالمنتخب هما محمد الشناوي وشريف إكرامي، لكن الأيام أثبتت أن الحارس لا يتوقف عن الركض والأحلام.



0
1
0
0
0
0
0