تفاجأت والدة عمر بأن ابنها الصغير يمارس البلطجة على زملائه في المدرسة بعد أن وصلها «جواب استدعاء ولي أمر»، الابن صاحب الثمانية أعوام يتنمر على زملائه بتزعمه طفلين يصاحبانه في إيذاء الآخرين.

قصة عمر تتشابه مع قصص أخرى يحتار الأهل في التعامل معها، فكيف تستطيعون التغلب على تصرفات ابنكم المتنمر الذي يؤذي أصدقاءه دائما؟

ابني بلطجي

كلمات الأخصائية النفسية جعلت الأم ولاء في ذهول، فكيف لذلك الطفل الذي يبدو هادئًا أن يحمل بداخله كل هذا الشر، فطبيعة عمر لا يحب الحديث كثيرًا حول يومه الدراسي.

تذكرت ولاء حين وجدت أثر جرح في جبينه وسألته عنها، أجاب باقتضاب أنه وقع في الملعب وانصرف، تعهدت الأم لإدارة المدرسة بحل الأمر.

ولاء هي الأخرى تعرضت للتنمر من رفقائها في المدرسة حين كانت في المرحلة الابتدائية بسبب ارتدائها نظارة طبية ولأن أسنانها  كانت تنكسر باستمرار. أذى نفسي لازالت تتذكره حتى الآن، تقول: «حسيت بالأذى اللي سببه ابني لغيره.. وحسيت بالتقصير». تحدثت مع طفلها برفق لكن دون نتيجة.

زيارات متكررة للطبيب النفسي الذي استطاع مساعدة الطفل برفقة والدته ومدرسته، عمر تغير سلوكه بشكل ملحوظ، شهور طويلة من تنفيذ تعليمات الطبيب وسلوك حياة مبني على التربية الايجابية والثقة المتبادلة حتى استطاعت ولاء أن تعبر بابنها من هذه الأزمة.

بلطجي الفصل

تحكي «نادية» مدرسة اللغة العربية للصف الرابع الابتدائي بإحدى المدارس الخاصة، عن الطفل أحمد قوي البنية ذو وجه عابس يجلس وحيدًا فيهابه الجميع، يعرف بـ «بلطجي الفصل» يضرب كل من يتعارض معه في الرأي ويستولى على أدوات زملائه، في إحدى المرات سخر من زميلته التي تعاني من إعاقة جسدية، فبكت، فزاد من سخريته حتى ضربته الفتاة بعكازها.

قرر الانتقام منها في اليوم التالي ودفعها على السلم حتى سقطت وكسرت يدها وأصيبت في رأسها. عاقبته المدرسة بالفصل أسبوعين والحضور بولي أمره الذي لم يستجب.

تطوعت نادية لمساعدة أحمد الذي يأس منه الجميع. حدثته بهدوء ولكنه لا يبالي. لم تيأس واتفقت مع عدد من المدرسين على مساعدتها لتعديل سلوك تايمذ الصف الرابع الابتدائي، بالنقاش واستخدام أسلوب الثواب والعقاب تغير سلوك الطفل بدأ يتناغم مع رفاقه بالتدريج، تقول: «كنت بطلب منه يساعدني في الفصل يمسح السبورة يلم الكشاكيل علشان يحس بقيمته بدل ما بيلجأ للعنف».

من هو الطفل المتنمر؟

الطفل المتنمر هو طفل عدواني يعاني من اضطراب سلوكي، بشعر بالسعادة بتعديه على غيره. تقول دكتورة عفاف حسن أخصائي تعديل السلوك للأطفال، ومدير وحدة الإرشاد النفسي بجامعة بنها، وتوضح أن الطفل الذي يتبنى ذلك السلوك يترجمه بشكل لفظي عن طريق الاعتداء على غيره بالكلمات المؤذية والسخرية منه، أو عن طريق الاعتداء الجسدي بالضرب.

المتنمر هو طفل عدواني يعاني من اضطراب سلوكي، بشعر بالسعادة بتعديه على غيره

الأسباب

تقول أخضائية تعديل السلوك: الطفل كالإناء ينضج بما فيه، فالطفل لا يولد عدواني يعتدي على غيره، بل يتعرض لعدد من العوامل الخارجية التي تدفعه للتنمر على غيره، ولخصت الأسباب التي تدفع الطفل للتنمر كالتالي:

العنف المنزلي

إذا كان الطفل بتعرض للعنف داخل المنزل من قبل أحد الأبوين، فإنه يتبنى السلوك ذاته ويفرغ غضبه على الشخص الأضعف منه، وهو ما يعرف بـ «الإزاحة» أي تفريغ الطاقة العدوانية التي تعرض لها الطفل.

فإذا تعرض الطفل للضرب من قبل والده فإنه يفرغ طاقة الغضب والعدوان بداخله على شخص أقل وأضعف منه، لذلك يبحث فيمن حوله على شخص لن يستطيع رد العدوان ويعتدي عليه، فيشعر بالرضى والسعادة بالانتصار.

الكارتون والأفلام

الطفل بطبعه يحب التقليد والمحاكاة، وانتشار الأفكار التي تحرض على ممارسة البلطجة في الإعلام والأفلام وحتى الكارتون، فيعجب الطفل بتلك الشخصية البطلة صاحبة القوة، ويقلدها فيردد نفس العبارات ويقوم بنفس الأفعال فيشعر أنه شخص قوي.

القيم المغلوطة

الكثير من الآباء يدفعون أطفالهم لتبني العنف والعدوان وترديد بعض العبارات المغلوطة التي تعزز الثقة بالنفس الزائدة لدى الطفل، الثقة ضرورية ولكن بحدود، لأن زيادتها عن المعدل الطبيعى تجعل الطفل يشعر أنه أفضل ممن حوله وأقوى، فيبدأ في ممارسة عنف لفظي أو جسدى على زملائه ليشعر بالثقة بنفسه وأنه الأفضل.

انشغال الأهل

أحيانًا ينصرف الأهل عن أطفالهم بالعمل وضغوطات الحياة والمتطلبات المادية، فيبحث الطفل عن طريقة يعوض بها نقص الاهتمام وبشعر بقيمته، فيتبنى العدوان ليشعر بالانتصار وبأنه له وجود في الحياة.

الطفل المتنمر
يبحث الطفل عن طريقة يعوض بها نقص الاهتمام وبشعر بقيمته


كيف يختار المتنمر فريسته؟

يختار المتنمر الشخص الذي يمارس عليه العدوان بعناية شديدة، فيبحث عن الشخص الأقل منه في القوة، والذي لا يقوى على الرد، ويدرس جيدَا خصاله ورد فعله إيذاء المواقف، كما أن الطفل الذي يعاني من عيوب في الشكل والبشرة أو الذي يعاني من إعاقة ما يشعر أنه أقل من الجميع ويظهر ذلك في تعاملاته مع من حوله لذلك يعتبر فريسة للشخص المتنمر.

أتباع المتنمر

غالبًا ما يلازم الشخص المتنمر الشعور بالزعامة والقيادة، ويرغب دايمًا أن يفرض سيطرته على من حوله، لذلك يجذب إليه الرفقاء لمصاحبته في ممارسة العدوان ويلقنهم الأوامر والتعليمات، أما عن ذلك الطفل التابع فهو يشعر بالضعف ويريد تحقيق الانتصار فيجد ذلك بصحبة القوي الذي يدفعه للتخلص من الشعور بالضعف ويتيح له الفرصة لممارسة دور القوي. فهي دائرة.. القوى يمارس قوته على الأضعف والأضعف يمارسها على الأقل منه ضعفًا.

كيفية علاج الطفل المتنمر؟

ترى استشارية تعديل السلوك، عفاف حسن، أن علاج الطفل يبدأ باكتشاف الأهل بأن ابنهم عدواني ويتنمر على غيره، ثم تتبدأ خطوات العلاج كالتالى:

وقف العنف

إذا كان الأهل يتعاملون مع الطفل بعنف بدني ويتطالون عليه بالضرب فعليهم إيقاف ذلك فورًا، أو إذا كانوا يستخدمون معه القسوة والألفاظ النابية أو يسخرون منه أيضًا.

النقاش

النقاش مع الطفل في أسبابه ودوافعه للقيام بتلك الأفعال، وترك الفرصة ليعبر عن ذاته دون خوف أو قلق، ثم عليكم إقناعه بأنه سيكون شخص غير محبوب إذا استمر في تلك الأفعال وعليه الإقلاع عنها. كما يجب أن يعرف أن البشر مختلفون وأن اختلافهم طبيعي وليس من حق أحد أن يسخر من غيره.

التعاون مع المدرسة

على الآباء التعاون مع المدرسة حتى يكف الطفل عن تبني ذلك السلوك، عن طريق وضع خطة مع مدرسيه لمتابعته، وعقابه إذا قام بالتعدي على غيره ولكن دون استخدام العنف، كأن تحرمه والدته من الزيارات العائلية أو من أي امتياز تعطيه له ويحبه الطفل، وتقوم المدرسة بأخذ إجراء جراء قيامه بالتعدي على غيره فور فعلته.



0
0
0
0
0
0
0